السبت، 9 سبتمبر 2017

الحرب السورية وأزمة التقاليد اليسارية - محمد سامي الكيال


تواجه أي مقاربة متعلقة بـ”اليسار” مشاكلَ عميقة وصعبة التجاوز، فما هي القيمة التفسيرية التي يملكها مصطلح “اليسار” في عالم اليوم؟ وما هي المعايير التي تمكننا من تحديد ماهية هذا التيار؟ وعلى أي أسس يمكننا تصنيف موقف أو ممارسة معينة بوصفها تنتمي له أو تعبّر عنه.
لعل هذه الأسئلة من أهم الإشكالات المعرفية والسياسية التي ساهمت الأزمة السورية في إعادة طرحها وبحثها، فمواقف اليسار المتعددة، والمتضاربة أحياناً، تجاه الحدث السوري، جعلت ماهية اليسار نفسه موضع تساؤل، فهي تقول عن اليسار أكثر مما تقول عن سوريا وثوراتها وحروبها.
يسار بلا طبقة
حتى مطلع سبعينيات القرن الماضي كانت الأمور أكثر وضوحاً: اليسار بتياراته المتعددة هو الجهة السياسية التي تدعي تمثيل مصالح وتطلعات وثورة الطبقة العاملة. والتي تعمل مع الفئات الأكثر تهميشاً واضطهاداً في المجتمع، كالنساء والملونيين والمثليين، باعتبار أن قضيتهم مرتبطة وملحقة بقضية الطبقة العاملة، التي سيؤدي تحررها من القيود الرأسمالية إلى تحرير المجتمع بأكمله من الاستغلال والعنصرية والتمييز الجنسي والجندري. أما في بلدان العالم الثالث، فاليسار هو جزء أساسي من حركة التحرر الوطني المناهضة للاستعمار والتبعية، وفي بعض الأحيان هو طليعة هذا “التحرر” وقائده. هنا أيضاً كان اليسار يستقي دوره المحوري من موقعه الطبقي، فهو المعبر عن مصالح العمال و/أو الفلاحين، وهي الطبقات الأكثر حيوية في الأمة، وذات المصلحة الأكبر في إتمام عملية التحرر الوطني.
إلا أن هذا الوضوح الثوري تغيّر بشدة مع دخول المجتمعات الرأسمالية المتقدمة في العصر ما بعد الصناعي، وانحدار أهمية الطبقة العاملة في عملية الإنتاج الاجتماعي. المعامل المغلقة والمناجم الفارغة في مدن انكلترا الصناعية، أو في حوض الرور الألماني كانت رمزاً  لنهاية العالم الذي ينتمي إليه اليسار التقليدي. ففي رأسمالية “التراكم المرن”، حسب تعبير ديفيد هارفي، التي تقوم على مواقع إنتاجية أصغر، ودور أكبر للعمل الخدمي وإنتاج واستهلاك المعلومات ووسائل التواصل، لا مكان لطبقة محورية أو طليعية.
ترافقت هذه التغيرات الاقتصادية والاجتماعية مع صعود نجم النقد ما بعد الحداثي وما بعد البنيوي، وبروز سياسات الهوية، حيث فكّ “المهمشون” ارتباطهم بقضية الطبقة العاملة والتحرر الاجتماعي العام، وصاروا أكثر فئوية ومحلية في مطالبهم.
السياسة نفسها بمفهومها القديم تغيرت، فلم تعد القضية هي الاستيلاء على السلطة أو تغييرها، بل الحصول على “الاعتراف” و”الاستيعاب” و”التمثيل” ضمن الدولة البرلمانية التقليدية ذاتها، التي لاح أن أفقها هو الأفق السياسي الوحيد.
انقسم “اليسار” هنا إلى تيارين: تيار لم يغير كثيراً من خطابه ومنطلقاته الفكرية، مثل الحزب الشيوعي اليوناني، وحزب العمال الشيوعي البلجيكي. وتيار آخر كان في “طليعة” التنظير للتغيرات الاجتماعية الحاصلة، وهو اليسار الذي يسمى عادة “اليسار الأكاديمي”، أي مجموعة المثقفين والأكاديميين الذين برزوا خصوصاً في الجامعات الأنجلوساكسونية، وسيطروا بشكل من الأشكال على أقسام أكاديمية معينة مثل الدراسات الثقافية والإسلامية ودراسات الشرق الاوسط. وعملوا  على تطوير نظريات معينة مثل “ما بعد الكولنيالية”، “دراسات الجندر”، “النظرية النقدية”…ألخ. وقد أثرت هذه النظريات بشكل كبير على ما يعرف بـ”اليسار الجديد”، مثل حركتي سيريزا في اليونان وبوديموس في أسبانيا، بل وصل تأثيرها إلى أحزاب ذات إرث يساري تقليدي، بل وسلطوي في بعض الأحيان، كحزب اليسار الألماني.
ورغم هذا الانقسام فهناك عامل مشترك يبدو واضحاً لدى كلا التيارين، وهو تخليهما التدريجي وغير الواعي عن مفهوم  “الاستغلال” لصالح مصطلحات أخرى مثل “التهميش” و”عدم العدالة في توزيع الثروة” و”التمييز”..الخ. الأطروحة الماركسية القديمة عن طبقات “مُستغلة” ستقودها طبيعة الإنتاج الاجتماعي نفسها إلى النضال ضد الاستغلال وتحطيمه، استُبدلت بأطروحات ما بعد حداثية غير واضحة عن فئات اجتماعية و”أقليات” تطالب بـ”الاعتراف”، أو بحصتها من المكاسب الاجتماعية والاقتصادية. وعلى صعيد العلاقات الدولية استمر التياران في عدائهما التقليدي لـ”لإمبريالية”، التي اتخذت في بعض الأحيان مسميات جديدة مثل “دول الشمال الغني”، “الكولنيالية الجديدة”…الخ، أما شعوب العالم الثالث فصارت، مثلها مثل “أقليات” الدول الغربية، تُعدّ من “المُهمشين”.
اليسار الذي فقد طبقته الاجتماعية صار أكثر عزلة وأقل حيوية، وحلّت الحوارات الطويلة المعقدة في الغيتو الجامعي أو الحزبي أو في البارات والمقاهي محل النضال في المعامل ومواقع الإنتاج، هنا كان من الطبيعي أن تحل التقاليد الأكاديمية والحزبية محل الخبرات المتراكمة من النضال الطبقي، والمعارف التي تم تحصيلها من التحليل الاجتماعي الديناميكي.
اليسار بوصفه تقليداً
يمكننا الآن أن نضع تعريفاً مبدئياً لليسار المعاصر، ومعايير أساسية لفهم مواقفه الأساسية: اليسار اليوم ليس “حركة اجتماعية” بل هو “تقليد” سياسي واجتماعي وثقافي، أي مجموعة من الصيغ اللغوية والمفاهيمية التي تشكل إطاراً بنيوياً، مشوشاً إلى حد ما، لإنتاج المعنى وصياغة التصورات عن العالم، بالإضافة لكونه إرثاً كاملاً من التعاطفات والانحيازات والعداوات.
القول أن اليسار اليوم هو “تقليد” يعني أنه أسلوب لإنتاج سلوكيات وردود أفعال ومواقف تأخذ شرعيتها من تطابقها مع منظومة التقليد، ولكنه ليس إطاراً لإنتاج المعرفة أو لتحليل المستجدات في الحياة والمجتمع وفهمها.
يمكن توضيح ذلك من خلال دراسة تعامل اليسار مع مخالفيه الفكريين والسياسيين، حيث يغيب اليوم في الكثير من الأحيان الحوار المنطقي المبني على أساس تداول الحجج والأفكار، والذي ينتمي إلى ما يسميه الفيلسوف الألماني ميشيل شميدت سالمون “الثقاقة المنفتحة على النقاش” “offene Streitkultur”، لصالح استراتيجية جديدة في التعامل تقوم على أساس رمي المخالف بعدد من التهم الجاهزة، مثل “عنصري”، “ذكوري”، إسلاموفوبي”…الخ. هذا الأسلوب يقتل النقاش ويقوم على وصم المخالف والاستقواء عليه بدلاً من الحوار معه، وهو شبيه بأسلوب الحركات الدينية التي ترسم حدوداً ثنائية جامدة لا يمكن كسرها بين “الايمان” و”الكفر”، وكل من يخالف التقاليد والعقائد القويمة، ومنظومة القول والجمل “الصحيحة” التي تحدد “الإيمان”، سيتم تكفيره وإخراجه إلى جحيم “اللاإيمان”. هذا التشابه بين اليسار والحركات الدينية، خاصة الإسلامية منها، مرده إلى اشتراك الطرفين في قيامهما على أساس  “التقليد” وليس “المعرفة” و”التحليل”. يقترب اليسار بشكل مطرد من أن يصبح طرفاً عقائدياً يستقي شرعيته من الصحة المٌفترضة مسبقاً لعقيدته وليس من قوة حججه وأهميتها.
الأمر الثاني الذي يظهر انبناء اليسار على “التقليد” هو موقفه على صعيد الصراعات الدولية، فاليسار مازال متشبثا بقوة بالتقسيم القديم للعالم، القائم على ثنائية دول غرب وشمال غنية تضطهد دول الشرق والجنوب الفقيرة. ما يجره دوماً إلى تأييد أكثر الأنظمة والحركات السياسية دكتاتورية وتسلطاً، وأشد الأفكار رجعية وتخلفاً، بسبب افتراضه أن هذه الأنظمة والأفكار معادية لـ”الهيمنة الغربية”.
يفترض اليسار هنا أن هناك فاعلاً وحيداً للاضطهاد والظلم والشر هو “الغرب” في مقابل ضحايا أبديين غير قادرين على ارتكاب أيٍّ من هذا، وهذا الافتراض  ينم عن جهل كبير ببنية العلاقات والتغيرات الدولية في عالم اليوم، حيث تصعد دول إقليمية جديدة في النظام العالمي مثل الصين وروسيا وإيران، تقوم بالأدوار القديمة التي كانت تُنسب للدول الاستعمارية التقليدية، في حين يصبح رأس المال العالمي أكثر سيولة ومرونة، وغير مرتبط بدول بعينها أو مركز واحد على الصعيد العالمي، وهو ما بينه بشكل لامع كلٌ من مايكل هاردت وأنطونيو نيغري في كتابهما “الإمبراطورية”.
كثير من الدول القمعية تجد في التقليد اليساري ضالتها لتبرير ممارساتها الإجرامية، حيث يمكّنها هذا التقليد من إحاطة ضحاياها بأسوار من الجهل والتعتيم، واتهام كل منتقد لسياساتها بـ”الإمبريالية” أو “العمالة للهيمنة الغربية”، أو حتى “الاستشراق”!
وبالتأكيد فإن موقف الكثير من الجهات اليسارية تجاه الإسلام السياسي هو من أهم علامات غياب الديناميكية الفكرية، فوسط طغيان تقليد “صناعة الضحية” و”الدفاع عن الأقليات”، تقوم معظم حركات اليسار بعملية اختزال كبيرة للجاليات المنحدرة من أصول شرق أوسطية، حيث تعتبر أفرادها كتلة واحدة جامدة لا انقسام فيها ولا تنوع، ولا صراعات أو علاقات قوة وهيمنة في أوساطها، وتستسهل إطلاق تعبير “مسلمين” عليهم، وهو تعبير يحمل الكثير من العنصرية حتى لو جاء في سياق “الدفاع” عنهم، لأنه اختزال لتعددية الهوية وتعقيدها في عامل واحد هو الدين، وتشييء للبشر وتنميطهم في عدد من الرموز والمظاهر الدينية، وجعل الجهات المحافظة والرجعية المعبّر الحصري عنهم.
استبدال المصطلحات الاجتماعية والطبقية بمفاهيم هوياتية تنميطية مثل “مسلمين” أمر مقلق جداً، فهو يجعل أفراد الأقليات “المسلمة” الأكثر ضعفاً كالنساء والمثليين والأطفال وغير المؤمنين تحت رحمة الفئات الأكثر قوة وتسلطاً ضمن هذه الأقليات. هكذا أصبح اليسار حليفاً مزمناً للديكتاتورية والبنى الأبوية في كل ما يتعلق بما هو “غير غربي”.
الثورة السورية في مواجهة التقليد اليساري
أحد مآسي الثورة السورية أنها كانت حدثاً مستجداً لم يستطع التقليد اليساري أن يستوعبه ويتفهمه، فطبّق عليها قوالبه الجاهزة. لم تستطع معظم الحركات اليسارية، باستثناء التروتسكيين وبعض الأناركيين، مقاربة هذه الثورة، وما تبعها من حرب أهلية وأزمة مستعصية، إلا من خلال المقولات القديمة عن الإمبريالية والهيمنة الغربية، وهكذا أصبح نظام دموي وإجرامي كالنظام السوري مقاوماً للإمبريالية لدى البعض، في حين لجأ البعض الآخر إلى تمييع القضية والالتفاف عليها، مع التركيز على عامل واحد فيها وهو التدخل الأمريكي والغربي.
خلال السنوات الخمس الماضية لم تصدر أي دراسة جدية من قبل اليسار الغربي عن بنية المجتمع السوري وتركيبته، ونوعية الفئات والطبقات الاجتماعية التي ثارت ضد النظام، والأسباب والعوامل التي دفعتها لذلك، فضلاً عن علاقات السلطة والهيمنة داخل البلاد، والتغييرات الديموغرافية والطبقية التي حلّت في المجتمع السوري خلال سنين الحرب. الدوغما الجاهزة ذات الطابع المؤامراتي عن “الدور الغربي” حلَت محل التفسير والفهم وأي محاولة لإنتاج المعرفة.
وعلى مستوى الممارسة السياسية بدا موقف الحركة المناهضة للحرب في أوروبا مريباً جداً تجاه التدخل والقصف الروسي في سوريا، فهذه الحركة التي نشطت بقوة لمجرد تلويح الولايات المتحدة بالتدخل ضد النظام السوري، إثر استخدامه للأسلحة الكيمائية في منطقة الغوطة السورية، لم تحرك ساكناً تجاه المجازر الذي يرتكبها الطيران الروسي في سوريا، كما أنها تتجاهل دوماً جرائم   المليشيات الشيعية المتطرفة الموالية لإيران، وتركز فقط على ممارسات المليشيات السنية، ربما لأن هذه الأخيرة موالية للسعودية أو قطر، بحسب ما يعتقد اليسار.
هكذا يبدو للسوري العادي أن اليسار الغربي غير مبدئي في معارضته للحرب والتدخل الأجنبي والمجازر، بل هو طرف منحاز لجهة على حساب أخرى مهما كانت ممارساتها، فالقتل والقصف والاحتلال يصبح غير محتمل إذا كان من قبل أمريكا وحلفائها، في حين يبدو مشروعاً، أو على الأقل يمكن السكوت عنه، في حال جاء من قبل الروس والإيرانيين!
هذا يعيدنا إلى الفكرة المطروحة سابقاً بأن اليسار كتقليد يحمل ولاءات وتحيزات مسبقة ومتوارثة، غير مُفكر بها في الكثير من الأحيان، ولا تخضع لإعادة الفحص والتقييم.
تعامل اليسار الأوربي مع الحركات السياسية الكردية في سوريا، كحزب الاتحاد الديموقراطي ووحدات حماية الشعب، يُظهر بجلاء هذه التحيزات المسبقة، فبسبب العلاقات المتجذرة بين اليسار الأوروبي واليسار الكردي، تتغاضى الحركات اليسارية الأوروبية في الكثير من الأحيان عن ممارسات المليشيات الكردية في سوريا، والتي تشمل عمليات تطهير عرقي تجاه العرب، وقمعاً يصل إلى درجة القتل والتهجير تجاه معارضيها من الأكراد. كذلك الأمر بالنسبة لتجربة الإدارة الذاتية الكردية في الشمال السوري، التي تلقى الكثير من التقدير في أوساط اليسار الأوربي، في حين تم تجاهل تجربة المجالس المحلية والتسيير الذاتي في الكثير من المناطق السورية الأخرى الخارجة عن سيطرة النظام. وذلك لأن هذه التجارب لم يقم بها حليف مكرس في التقليد اليساري.
الأزمة السورية إذاً كشفت بعمق عن مدى جمود وتخشّب فئات كبيرة من اليسار في الغرب، وعجزه الفكري والمعرفي في فهم المستجدات على الصعيد العالمي وفي الحراك الاجتماعي والسياسي. ما يدفعنا لطرح تساؤل عن حقيقة موقع اليسار وتوجهاته في المرحلة التاريخية الحالية.
اليسار قوة رجعية؟
هذا هو السؤال المنطقي الذي يقودنا إليه التحليل السابق، من الواضح أنه لم يعد من الممكن اعتبار اليسار بسهولة، كما في الماضي، قوة تقف في صف تحرر البشر ومساواتهم. فيسار مؤيد للأنظمة الديكتاتورية، غارق في التنميط الهوياتي والثنائيات الضدية، ومتصالح في الكثير من الأحيان مع الرجعية الدينية والقومية، وعاجز عن إنتاج مقاربات معرفية مبتكرة للأوضاع المستجدة، هو بالتأكيد ليس قوة يمكن وصفها بالتقدمية، بل هو جهة تعمل على تكريس الأوضاع القائمة واستمرارها.
يمكننا أن ننهي هذه المقالة بالنصيحة التقليدية التي ترد عادة في أي نص يتناول أزمة اليسار، وهي الدعوة إلى إجراء مراجعات جدية للأسس النظرية للفكر اليساري، ولكن ربما لم تعد المراجعات مجدية وكافية، فاليسار بحاجة إلى قطيعة معرفية متكاملة مع تقاليده، وإلى ثورة على الذات تعيد خلقه من جديد.
هل يقدر اليسار على القيام بهذه الثورة؟ لا يمكننا الإجابة على هذا السؤال، وإن كان الوضع العالمي يجعلها ضرورة ملحة، خاصة مع صعود اليمين الشعبوي، الذي يقوم في الكثير من الأحيان بإعادة طرح الشعارات التي هجرها اليسار، ويناقش بقوة المسائل التي باتت ضمن “المسكوت عنه” في التقليد اليساري.
‏* نُشر هذا المقال باللغة الألمانية في موقع مؤسسة روزا لوكسمبورغ “‏Rosa-Luxemburg-Stiftung‏” الألمانية.‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق