الاثنين، 4 سبتمبر 2017

محمد الحجيري : الزينبية .... الحمراء

كثيراً ما وجدت الثقافة اليسارية في لبنان توصيفات أو ألقاباً خاصة لبعض الشخصيات "المتمايزة" التي تقتربت من الحزب الشيوعي(اللبناني) أو نحوه. فهناك مقولات "المطران الأحمر" و"الماروني الأحمر" و"البيك الأحمر"، و"الشيخ الأحمر".. وربما عليهم الآن، إضافة لقب "الزينبية الحمراء" على الفتاة التي كانت ترتدي التشادور من منظومة ثقافة حزب الله، وتحمل علم الحزب الشيوعي الأحمر مع ابتسامة عريضة مميزة، بمناسبة احياء ذكرى جبهة المقاومة الوطنية (جمول) قرب صيدلية بسترس (بيروت)، وانتشرت صورتها في مواقع التواصل الاجتماعي، وحظيت بجدل وتعليقات من هنا وهناك، بين من يصنفها في خانة "حرية الرأي" ومن يصف المعترضين عليها بـ"جماعة فوبيا الحجاب"، ومن يقول إن الشيوعية هي "تحرر من التقاليد" لا يجمعها بالزي الديني أي شيء. ونشر كثيرون الصورة من باب النكاية والعصبية الشيوعية، وقال أحدهم من باب المزاح: "كان ينبغي حضور فتاة ترتدي البرقع ليكتمل المشهد"... وقيل ان صاحبة الصورة اسمها "نداء" من آل (...) ووالدها "شيوعي عتيق"، لم نعرف رأيها في صورتها وعلاقتها بالشيوعية والشيوعيين، وعلاقتها أخيراً بالزي الديني وسبب اختياره... علينا التذكر هنا أن النخبة التي توصف بالحمراء (كتّاب، بكوات، أمراء...) كانت موضع وقار ومديح، أما المواطنة العادية التي ارتدت التشادور فهي موضع خلاف فايسبوكي، ربما لتنامي صراع الهويات والتحول في السياسات وتبعثر الحزب الشيوعي تنظمياً وفكريا ًوولائياً...

كثيرات هن الفتيات اللواتي ينتسبن الى الحزب الشيوعي في البلدات والقرى اللبنانية والتقطت لهن صور، في أكثر من مناسبة، وهن يرتدين الحجاب التقليدي. وهذا من الأمور العابرة باعتبار ان الحجاب التقليدي يدل على اجتماع ما، وليس على سياسة أو أيديولوجيا، ومعظم أمهات الشهداء محجبات. أما صورة "الزينبية الحمراء" اذ جاز التعبير (وكل الود لصاحبتها)، فهي لغة أخرى، تعتبر نموذجاً للصورة "الغرائبية" التي تبحث عنها الميديا والعين والواقع والكاميرا وغلاة الثرثرة. وفي وجه من وجوهها، تشبه صور الفتيات "السيكسي" اللواتي يؤيدن حزب الله ويرفعن علمه، وقد ظهرن في ساحة رياض الصلح غداة تظاهرات 8 آذار 2005، مرتديات الجينز الضيق مع "بلوزات" تنحسر عن البطن، وأحياناً يظهر وشم أسفل الظهر، إضافة إلى سائر أشكال الإثارة الناعمة واليومية.

لنقُل إن الإثارة في حزب متزمت وملتزم، فيها شيء من السوريالية. وأيضا التشادور في حزب شيوعي، حورب ألف مرة بسبب ابتعاده الدين، فيه شيء من السوريالية. التشادور، قبل أن يكون حرية اختيار، هو أيديولوجيا ورمز ايديولوجي لفئة دينية ومذهبية، والنظرة إليه الآن على النحو الذي برز في "جَبهات" فايسبوك، إشارة الى تهافت الهويات وضياعها وتضخمها وتورمها وتداخلها وتفككها وغرائبيتها وتحولها. والصورة في حد ذاتها، تذكرنا بصور بدايات الثورة الايرانية، إذ سار الملالي الى جانب رافعي علم حزب "تودة" (الشيوعي) في إيران، وسرعان ما التهم ملالي الخميني، الثورة، وتعرض اليسار الإيراني للإعدام والنفي والقتل...

وكثيراً ما كانت الشيوعية، بنسخها المتعددة، تمتزج بالثقافة المحلية، بدءاً من روسيا نفسها (أو الاتحاد السوفياتي سابقاً)، إذ كانت نوعاً من شيوعية أرثوذوكسية، مروراً بأميركا اللاتينية و"لاهوت التحرير". كان غيفارا بمثابة المسيح لبعض الثوريين، وكان يقال عن الأمين العام للحزب الشيوعي السوداني محمد إبراهيم نقد أنه "شيوعي يؤمّ الصلاة". وإذ كانت المزحة الدائمة عن انتساب الكثير من ابناء الطائفة الشيعية إلى الحزب الشيوعي اللبناني: "شيعي، شيوعي، شرّيب شاي".. فإن أحداً لا ينكر أن جزءاً كبيراً من سوسيولوجيا الحزب الشيوعي، مستمدة من الواقع الديني والجنوبي والريفي، وهي لعبة السياسة والبحث عن أدوات جماهيرية.

لنتأمل جيداً مشهدية تمجيد الشهداء الشيوعيين، وكان يُحكى عن مجموعة من الشبان الشيوعيين اللبنانيين في الجنوب، يشاركون بقوة في طقوس عاشوراء، وفي العراق وزعت صورة تقول "الحزب الشيوعي العراقي يعزي العالم الإسلامي بذكرى استشهاد رائد السلم والعدل... ابا الشهداء الامام الحسين بن علي (ع)"، وأحد سائقي التاكسي كتب على زجاج سيارته "الجناح الإسلامي للحزب الشيوعي، يا عمّال العالم صلوا على النبي".. وقبل ذلك كله، تطلق على بعض قرى البقاع تسمية "موسكو البقاع"، إثر إقامتها قدّاساً عن روح ستالين العام 1953 في كنيسة مار جرجس للروم الأرثوذوكس في دير الغزال، وترأسه الخوري الراحل جرجس الدبس.

حتى في الوسط الفكري والثقافي، هناك موجة الشيوعي الإسلامي، واليساري الإسلامي، والمصري حسن حنفي نموذج، إضافة إلى المفكر الإيراني علي شريعتي الذي وُصف بأنه "شيوعي ذو نزعة دينية". وفي الوسط الشعبي، كان اللبناني خليل عكاوي (أبو عربي) يرفع شعارات إسلامية على خلفية يسارية، أقرب الى الماركسية الماوية، قبل أن تقتله عصابات المخابرات السورية في باب التبانة...

ولا داعي للدخول أكثر في دهاليز الأفكار الاجتماعية، مثل أن يرفض بعض الشيوعيين في القرى، الزواج المدني، أو أن تُجبر عائلة فنان، ابنها الشيوعي، على الزواج في الكنيسة...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق