الأحد، 27 أغسطس 2017

احلام شيوعية مبعثرة ... محمود الحجيري



مع دخول الحزب الشيوعي الى عرسال وتأسيس المنظمة الحزبية في هذه البلدة في مطلع اربعينات القرن العشرين على يد الرفيق ابو علي الجباوي وبدات الجولات التبشيرية تطال الاحياء والمنازل وكانت المادة الاساسية التي يتم تداولها خلال الاحاديث لجذب المؤيدين والمناصرين ما جرى ويجري في الاتحاد السوفياتي انذاك من الغاء التمييز الطبقي وتامين فرص العمل والقضاء على الفقر وتامين الطبابة والتعليم مجاني واحترام المراءة وضمان الشيخوخة .
وفي احدى الجولات وبعد ان نقلوا الرفاق صورة ما يجري في الاتحاد السوفياتي مع قليل من المبالغة والبهارات الملائمة للجلسة , دب الحماس في راس الحاج ابو يونس ورفع يده صارخا : " اذا انت سوفياتي ! سجل عندك انا سوفياتان !! " واصبح هذا الانسان البسيط من المدافعين عن الحزب الشيوعي كونه سوفياتان .
وبقي الاتحاد السوفياتي وانجازات حزبه الشيوعي العظيم المادة الاساسية لجذب المحازبين ودغدة الاحلام وخاصة في الطبقات الفقيرة والشعبية على مدى عقود , وفي ذات الوقت " الشيوعي " او بمعنى اصح الحزبي الذي عاش واندمج مع هذه الاحلام ووضعها في قمة طموحاته لم يخرج من واقعه الذاتي وبقي على التزامه الديني والمذهبي والعائلي والمناطقي والقروي ولم يستطع تخطي العادات والتقاليد الخاصة به وكل ذلك يدل على ضعف وتخلف فكري واضح والسبب نحن شعب لا نقراء والحزب لم يولي الجانب الفكري اية اهمية ,
وتبقى هذه الاحلام عرضة للتبدد والانهيار امام اية هزة او صدمة بسبب فقرها لحصانة فكرية تدافع عنها او تحميها , وكانت اول نكسة او صدمة تعرض لها الحزب الشيوعي بعد اندلاع الحرب الاهلية عام 1975 حيث العديد من المنظمات الحزبية في المناطق المسيحية حلت نفسها وعاش اعضائهم مع محيطهم الا القليل حملوا افكارهم وتهجروا الى مناطق اخرى بعد ان انخرط الحزب في احد معسكري الصراع الداخلي والخارجي , وحل العقد الاخير من القرن الماضي لتتناثر الاحلام بين شظايا الانفجار والانهيار الذي اصاب الاتحاد السوفياتي ومعسكره الاشتراكي وفوق ذلك وضع الفكر على المحك بمواذات التشكيك والعديد من التسائلات حول مستقبل هذا الفكر ومدى صلاحيته , ودخل الحزب الشيوعي بحالة من الوهن والترهل والضياع والتشتت التنظيمي والسياسي والفكري حتى وصل الامر باحد قياديه الى وصف الماركسية " بالجيفة " بالاضافة الى ترك العديد من قياديه الذين كانوا يعتبرون العقل المحرك للحزب بسبب الصدمة وخيبة الامل , واصبح الحزب خاويا واهنا من كافة النواحي الفكرية والسياسية والتنظيمية وحل عام 2005 وما حمله من جريمة  قتل طالت الرئيس رفيق الحريري وتوجيه اصابع الاتهام الى النظام السوري بوقوفه وراء تنفيذ الجريمة وحالة الانقسام العامودي التي اصابت المجتمع اللبناني في معسكر " شكرا سوريا " 8 اذار ومعسكر " فلترحل سوريا " 14 اذار ولم يحسم خياره الحزب الشيوعي رغم محاولاته الفاشلة فوجد نفسه على يسار معسكر 8 اذار وبداء الشارع السني بالابتعاد التدريجي عن الحزب واحلامه المتبقية وطموحاته وصولا الى اندلاع الثورة في سوريا كان موقف الحزب الملتبس بوقوفه الى جانب النظام الدكتاتوري ضد شعبه هذا قبل الالتفاف على الثورة واغراقها باموال النفط وقبل ان تصنع داعش واخواتها في دوائر المخابرات الاقليمية ووضع العالم امام خياران لا ثالث لهما داعش او الاسد ونظامه  وهذا الموقف انعكس سلبيا وبشكل واضح على تواجد الحزب في المناطق السنية لان الموقف مما يجري في سوريا عمق الشرخ والانقسام في الشارع اللبناني بين مؤيد للنظام ومؤيد للثورة , وبقي الحزب الشيوعي يضم في صفوفه اغلبية محازبين شيعة مع اقليات من الطوائف الاخرى والسبب واضح وهو انسجام موقفه السياسي مع موقف الثنائية الشيعية في القضايا الداخلية والخارجية وصولا الى استخدام الخطاب السياسي الصادر عن حزب الله بكامل مفرداته من قبل قيادة الحزب الشيوعي .  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق