خالد زيادة يستعيد محطات من التاريخ الإسلامي
خالد زيادة
منذ سقوط جدار برلين وقيام ما سمي بثورات الربيع في الدول التي كانت
خاضعة للنفوذ السوفيتي، سابقا، ظهر عالم أحادي القطب، وبدا أن الديموقراطية
الليبرالية انتصرت، وحلت فكرة العولمة بوعود التعايش وفق نظام منفتح موحد
المعايير. بيد أنه ما لبثت ظاهرة صراع الهويات أن انفجرت في أوروبا نفسها.
وفي عالمنا العربي برزت النعرات الطائفية وبمحاذاتها صراع الإسلام السياسي
مع الدولة الحديثة. زادت حدة هذا الصراع إلى درجة تمزيق الدولة أشلاء،
وتهديد السلم الاجتماعي واضطهاد الأقليات بصورة غير مسبوقة أفضت إلى موجات
من الهجرات، ومن تفريغ المجتمعات من تنوعها، أو تحويل هذا التنوع نفسه إلى
عصبيات منغلقة، لكنها قابلة للاشتعال والتفجر. فشلت ثورات الربيع العربي في
إحلال صيغ ديموقراطية متطورة تسهم في ترسيخ دولة المواطنة ما يعود في قسم
منه إلى دور الإسلام السياسي في تحويل مسارها. والقبس تفتح هذه الملفات
الشائكة بمساهمة عدد من المفكرين يشتركون في تحليل الوضع القائم ووضع صيغة
للتعايش والسلم الأهلي وتدعيم مفهوم عقلاني للدولة.
يتفرع الحوار مع المؤرخ والدبلوماسي خالد زيادة ليتناول جوانب من التاريخ والسياسة والثقافة وكيفية نشوء المثقف الحديث. نستهل حوارنا معه بالتعريف بكتابه الصادر حديثاً «سجلات المحكمة الشرعية، المنهج والمصطلح»، الذي يعرفنا على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لمدينته طرابلس في زمن السلطنة العثمانية من خلال تحليل الخطاب الشرعي للوثائق. ويتجاوز زيادة البعد التاريخي للوثائق ليكشف أنها تجيب عن إشكالية راهنة تتعلق بالسلطة والدين وأن انفصال السلطتين الشرعية والسياسية قد حصل في زمن سابق للحداثة.
◗ صدر لك كتاب جديد بعنوان «سجلات المحكمة الشرعية، المنهج والمصطلح»، ما أهمية السجلات وما العمل الذي قدمته في الكتاب؟
– منذ بضعة عقود من الزمن تنبه المؤرخون إلى أهمية السجلات الشرعية كمصدر رئيسي لكتابة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي. ويكفي أن نشير إلى أن القضايا التي تُعرض على المحكمة والتي ينظر فيها القاضي وتحفظ في السجلات تشمل كل نواحي الحياة من بيع وشراء وأحوال شخصية وأوقاف، وتعيين وظائف العلماء وتسجيل التزامات الأراضي في الأرياف، فضلاً عن تسجيل ما يرد من اسطنبول من مراسلات رسمية.
وجد المؤرخون الذين عملوا على هذه السجلات، وهم قلّة على أي حال، أنّ هذه المعطيات تُغيّر فهمنا للتاريخ، وخصوصاً في الفترة السابقة لتحديث القضاء وفصل المحاكم في الزمن العثماني.
أما بالنسبة لي فقد دخلت إلى عالم السجلات من الوجهة المنهجية، لفهم الإمكانات التي تقدمها، وتحديد الموضوعات وطريقة الدخول إليها، مع الدعوة إلى الاستفادة من مناهج علم الاجتماع والأنثروبولوجيا.
السلطتان الدينية والسياسية
◗ هل تقدم السجلات معلومات أم أنها تقدم إمكانات لفهم المجتمع؟
– أعتقد أن السجلات الشرعية تقدم لنا إجابة صريحة عن انفصال السلطة الشرعية عن السلطة السياسية في زمن سابق للحداثة، وفي زمن سابق للدعوات إلى الدولة الدينية. فهذه السجلات تشير بشكل صريح إلى الوالي باعتباره حاكم السياسة، وإلى القاضي باعتباره حاكم الشرع، بما يفيد عن انفصال تام بين السلطتين، فلا سلطة للوالي على القاضي ولا سلطة للقاضي على الوالي.
وإذا كانت الأنظمة الحديثة تقوم على الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، فإن الدولة التقليدية كالدولة العثمانية أو المملوكية، كانت تفصل بين سلطتين: سياسية أو دولتية تدير شؤون المال والأمن والعلاقات الخارجية، وسلطة شرعية تضم الجهاز الديني والجهاز القضائي ويقف على رأسها شيخ الاسلام في اسطنبول الذي يعادل منصبه منصب الصدر الأعظم، أي رئيس الحكومة.
أريد أن أذهب أبعد من ذلك، لأقول إن الدولة العثمانية فصلت بين الشريعة من جهة التي يسهر عليها القضاء والفقهاء والمدرسون، والقوانين التي أحدثها السلاطين من محمد الفاتح وصولاً إلى سليمان القانوني. وهي القوانين التي تسيّر شؤون الدولة والمجتمع أيضاً.
الخليفة والسلاطين
◗ أين تضع فكرة الخلافة أو الدولة الاسلامية في سياق كلامك عن الفصل بين حكم الشريعة وحكم السياسة؟
– الواقع أنه منذ تأسيس الدولة الأموية، تحولت الخلافة الراشدة إلى ملك وراثي، يقوم في البداية على التقاليد العربية في تحالف القبائل، مع تغلغل التأثير البيزنطي ثم الفارسي في مراسم الدولة وهيكليتها وإدارتها، ولهذا نعلم أن عبدالملك بن مروان قد طلب تعريب الدواوين. ونعلم أيضاً أن ابن المقفع الفارسي الأصل والذي اعتنق الإسلام، عاش في النصف الأول من القرن الثاني الهجري (724 – 759م)، قد ترجم إلى العربية الآداب المتعلقة بالسلطة من «كليلة ودمنة» إلى «الأدب الكبير والأدب الصغير»، وكلها مأخوذة في مؤلفات فارسية في السلطة والملك.
لكن الأهم من ذلك، هو أن التشريع الاسلامي، كان دائماً خارج السلطة، والمذاهب الفقهية الكبرى نشأت خارجها، وكان مؤسسوها الكبار في العادة من المعارضين للسلطة كالإمام الشافعي والإمام ابن حنبل وجعفر الصادق.
احتفظ الملوك في الدولة الأموية والدولة العباسية بلقب الخليفة، لكن أيا من الخلفاء لم يكن فقيهاً أو عالماً أو رجل دين. كان لقب الخليفة رمزاً للاستمرارية، وقد أصبح من يحمل لقب الخليفة من الأسرة العباسية في زمن السلاجقة ثم في زمن المماليك، لا يملك أي سلطة.
عاشت الدولة العثمانية منذ تأسيسها وحتى مطلع القرن السادس عشر قرنين من الزمن من دون الحاجة إلى الخليفة الذي كان تحت وصاية السلاطين المماليك، وفي نهاية عمر الدولة في زمن السلطان عبدالحميد الثاني (1876 – 1909) جرى التشديد على فكرة الخلافة لأسباب سياسية تتعلق بمجابهة أوروبا. ومنذ ذلك الوقت بدأ ما يمكن أن نسميه تسييس الإسلام.
الأعيان والفقهاء
◗ بالعودة إلى السجلات التي تنتمي إلى حقبة من التاريخ، كيف يمكن أن تساعدنا في فهم الحاضر؟
– بالإضافة إلى مسألة انفصال السلطة الشرعية والسلطة السياسية، فإن السجلات تفيدنا في فهم الشبكات والوظائف التقليدية، وكيف أن هذه الشبكات والوظائف ما زالت قائمة، ولكن بأسماء وأشكال مختلفة. وعلى سبيل المثال، فإن السجلات تفيدنا في فهم تطور نظام الأعيان في المدن، وتحول رجالهم إلى مواقع الإدارة والسياسة والتراجع الذي أصاب فئة رجال الدين في القرن التاسع عشر لمصلحة فئات اجتماعية من التجار خصوصاً.
إن تطور أوضاع العائلات من خلال قراءتي تبين أن المجتمع المحلي الذي خضع للسلطة العثمانية احتاج إلى فترة زمنية مديدة حتى يتمكن من أن يستعيد تماسكه. وكان الوجهاء أو الأعيان الذين يتحدرون من عائلات العلماء أو التجار قد تمكنوا من أن يلعبوا دوراً وسيطاً بين الأهالي والسلطة في الولاية الممثلة بالوالي، ومن ذلك تخفيف الضرائب أو إزالتها، وتخفيف العقوبات أو الالتزام بالحفاظ على الهدوء في أوقات الاضطراب.
ونعلم من خلال مصادر أخرى أيضاً أنه في زمن التنظيمات أي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، احتل الأعيان في المدن مواقع في مجالس الإدارة وفي المجالس البلدية. الأمر الذي فتح أمامهم المجال للعب أدوار مهدّت لانخراطهم في الحياة السياسية بعد إعلان الدستور عام 1876، وخصوصاً بعد إعادة العمل بالدستور عام 1908.
ومن جهتي، فإنني استفدت من اشتغالي على السجلات من أجل تأسيس كتاب حول نشوء المثقف، وقد صدر تحت عنوان «الكاتب والسلطان، من الفقيه إلى المثقف».
وقد سمحت لي السجلات الشرعية بالتعرف إلى الجهاز الديني، وإلى جهاز الكتّاب الملحق بالإدارة. كل من الفقيه والكاتب كانا يمثلان نمطاً من الثقافة والمعرفة. وبطبيعة الحال فإن الاستعانة بمصادر أخرى يسمح بفهم انحسار صلاحيات الفقهاء في القضاء والتعليم، بسبب الاصلاحات والتنظيمات الحديثة، والانهيار التام لمهنة كتّاب الإدارة الذين أفسحوا المجال لظهور المثقف الحديث.
الإدارة والدستور
◗ كيف نشأ المثقف الحديث؟
– نشأ المثقف العربي من جرّاء الاصلاحات التي أجريت في الإدارة، الأمر الذي أدّى إلى انهيار مهنة الكتاب الذين يعملون في إدارة الدولة، أو في خدمة الباشوات من الولاة أو الأمراء، فعلوم الخط والإنشاء والحساب التي تقوم عليها معارف الكتّاب التقليديين قد طواها الزمن، أمام تطور الإدارة الحديثة التي تستند إلى علوم حديثة في القانون خصوصاً.
وقد لعب هؤلاء الإداريون في اسطنبول في عهد التنظيمات دوراً رئيسياً في تطوير السلطنة وصولاً إلى دفعهم باتجاه تبني الدستور. وفي مصر حدث أمر مماثل. فرجال الإدارة، وكانوا من أصول مختلفة وخصوصاً في عهد الخديوي اسماعيل، عملوا على إيجاد إدارة متخصصة وتعليم متخصص بفضل مدرسة الحقوق والإدارة التي تحولت إلى كلية حقوق.
وتطور التعليم وافتتاح المعاهد الأهلية أو الارسالية لعب دوره، خصوصاً في لبنان، في بروز المتعلم المستقل الذي لم يجد مكاناً في جهاز الإدارة، فبرزت شخصية المثقف الذي جعل المعرفة مهنته. وقد هاجر بعض هؤلاء إلى أميركا، وهاجر بعضهم الآخر إلى مصر حيث وجدوا مجالاً رحباً لإنشاء الجمعيات والجرائد والمجلات والعمل في المسرح وغير ذلك.
وفي جميع الأحوال، فإن المرحلة ما بين اعلان الدستور في اسطنبول عام 1876 وتعليق العمل به بعد أشهر، وثورة عرابي ثم الاحتلال الانكليزي لمصر، وكل ذلك حدث في غضون سنوات وأدى إلى ولادة المثقف الذي ينخرط في الأحداث ويلعب دور الموجه للرأي العام والمنخرط في الأحداث السياسية، تلك هي الفترة الحاسمة التي ولد فيها المثقف العربي.
السياسة والمثقف والجمهور
◗ هل تعتقد أن ولادة المثقف كانت ولادة سياسية؟
– إن الارهاصات المبكرة لولادة المثقف، جاءت كما ذكرت مع الاصلاحات الادارية في عصر التنظيمات الذي يعرف باسم «عصر النهضة». في الفضاء العربي، كان الطهطاوي وعلي مبارك نتاج الاصلاحات في عهد محمد علي باشا والخديوي اسماعيل. لكن اصلاح الإدارة ترافق مع التعرف إلى مفاهيم فكرية كانت الأصل في الثورة الفرنسية الكبرى كالحرية والمساواة والدستور فضلاً عن تأثير الوضعية الفرنسية ورائدها أوغست كونت.
لعبت فكرة الدستور دوراً بارزاً في بلورة المثقف الذي يطالب بإصلاح النظام السياسي وإيجاد هيئة تشريعية وتقييد صلاحيات الحاكم. ففي مصر كان بإمكان المثقفين، وخصوصاً من خريجي مدرسة الإدارة من أمثال لطفي السيد وقاسم أمين وسعد زغلول، أن يكونوا قضاة وموظفين كبارا، وأن يؤسسوا الصحف والأحزاب ويطالبوا بتحرير المرأة وتحرير الشعب وإعلان الدستور وتحرير مصر من الاستعمار. أما في الولايات العربية في المشرق، حيث التضييق على الرأي، فقد آثر المثقفون الهجرة إلى فرنسا أو مصر، من أجل تأسيس الحركات والأحزاب والجمعيات التي تطالب بالدستور.
وعلى هذا النحو، يمكن القول بأن ولادة المثقف العربي كانت سياسية بالمعنى الواسع للكلمة. في وسط القرن التاسع عشر كان هاجس المثقف أو المتنور هو إصلاح الدولة والتعليم والإدارة، ومثال ذلك بطرس البستاني ورفاعة الطهطاوي وعلي مبارك وخير الدين التونسي، وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أصبح هاجس المثقف هو التأثير في الرأي العام. فلا سياسة من دون رأي عام، وقد ولد جمهور من القرّاء الذين يتابعون ما تكتبه الصحف من آراء حول الحرية والدستور فضلاً عن ضرورة التعليم وتعليم المرأة وتحريرها. الرأي العام يعني ان اتخاذ القرارات لم يعد من اختصاص العاهل أو الحاكم أو السلطان فحسب، بل إن للجمهور رأيا أيضاً في نظام الدولة. وهذا ما صنعه مثقفو نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
نهاية التنوير
◗ أصبح انتقاد المثقف عادة دارجة، كما تكثر الشكوى من عدم اضطلاعهم بالدور المفترض بهم أن يقوموا به. وهو دور غامض وغير محدد، فما هو الدور المطلوب من المثقف؟ هل هو دور ثقافي أم اجتماعي أم سياسي؟
– المسألة برأيي أعقد من ذلك، فقلما يتم التمييز بين وظيفة المثقف ودوره، الوظيفة هي أن يقوم بعمله في مجال اختصاصه كما ينبغي أن يكون: أستاذاً كان أو كاتباً أو صحافياً أو فناناً مبدعاً. أما الدور فأن يكون له تأثير في الرأي العام والمشاركة في الهموم والأزمات والقضايا الراهنة التي يعيشها مجتمعه.
في الفترة التي برز فيها المثقف، نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كان ثمة تطابق بين الوظيفة والدور، كانت جميع الكتابات الصحافية والعلمية والأدبية تثير نقاشاً وتترك أثراً. كانت كل أعمال المسرحيين والروائيين المبكرين كسائر الكتّاب تنطوي على رسالة. كان المثقف آنذاك يعتقد بأن جهوده تنطوي على رسالة تنويرية. ولا يغيب عن بالنا أن تلك الفترة كانت حقبة تنويرية عمت العالم بأسره بفعل أفكار أوروبا. لقد انتهى أثر التنوير ليس في العالم العربي ولكن في كل أنحاء العالم والمثقف لم يعد صاحب رسالة أو موعظة.
لهذا ينبغي إعادة ترتيب الأمور، والعودة إلى التمييز بين الوظيفة والدور. بل علينا أن ننطلق من الوظيفة الثقافية، بعد كل ما نشهده من ترد في التعليم في كل مستوياته وتراجع في الابداع في المجالات كافة.
إن اتقان الوظيفة يفسح المجال تلقائياً لدور المثقف الاجتماعي. قد تكون المهمة الأكثر إلحاحاً اليوم، هي تضافر الجهود من أجل إنقاذ التعليم من التدهور الذي أصابه. فلا نهضة ولا تقدم ولا ثقافة إذا لم نقم بهذه المهمة العاجلة.
عثرات الحداثة
◗ أليس من أمر يدعو إلى التشاؤم أن تنعى عصر التنوير؟
– عشنا خلال تاريخنا الحديث على امتداد مئتي عام، حقباً متعددة مثل حقبة النهضة ثم الإصلاح ثم الثورة الخ. وعلى الرغم من أن مسار التاريخ متعرج، ولا يسير في خط مستقيم، فإننا لا نعرف أن التاريخ يعيد تجاربه ويكررها إلا على شكل مهزلة، وفق الرأي الشائع جداً.
لهذا، فإن الذين يريدون أن يكونوا دعاة تنويريين، وأن يعيدوا عصر النهضة من أوله، هم واهمون، لأن ذلك عصر انتهى، ولأن بعض السلطات الحاكمة أبرع في ادعاء الحفاظ على الحرية والديموقراطية والانتخابات النزيهة وتكافؤ الفرص. ومع ذلك فإن تراث النهضة ورجال التنوير يبقون أساساً للحداثة التي تعثرنا في تحقيقها.
هم واهمون مثل أولئك الذين يعتقدون أنهم يريدون إعادة عصر الخلافة بإطلاق اللحى واعتلاء المنابر.
لا هذا ولا ذاك، إن العالم العربي يعيش مخاضاً عسيراً سيفتح المجال أمام مرحلة جديدة ما زالت غامضة الملامح.
يتفرع الحوار مع المؤرخ والدبلوماسي خالد زيادة ليتناول جوانب من التاريخ والسياسة والثقافة وكيفية نشوء المثقف الحديث. نستهل حوارنا معه بالتعريف بكتابه الصادر حديثاً «سجلات المحكمة الشرعية، المنهج والمصطلح»، الذي يعرفنا على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لمدينته طرابلس في زمن السلطنة العثمانية من خلال تحليل الخطاب الشرعي للوثائق. ويتجاوز زيادة البعد التاريخي للوثائق ليكشف أنها تجيب عن إشكالية راهنة تتعلق بالسلطة والدين وأن انفصال السلطتين الشرعية والسياسية قد حصل في زمن سابق للحداثة.
◗ صدر لك كتاب جديد بعنوان «سجلات المحكمة الشرعية، المنهج والمصطلح»، ما أهمية السجلات وما العمل الذي قدمته في الكتاب؟
– منذ بضعة عقود من الزمن تنبه المؤرخون إلى أهمية السجلات الشرعية كمصدر رئيسي لكتابة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي. ويكفي أن نشير إلى أن القضايا التي تُعرض على المحكمة والتي ينظر فيها القاضي وتحفظ في السجلات تشمل كل نواحي الحياة من بيع وشراء وأحوال شخصية وأوقاف، وتعيين وظائف العلماء وتسجيل التزامات الأراضي في الأرياف، فضلاً عن تسجيل ما يرد من اسطنبول من مراسلات رسمية.
وجد المؤرخون الذين عملوا على هذه السجلات، وهم قلّة على أي حال، أنّ هذه المعطيات تُغيّر فهمنا للتاريخ، وخصوصاً في الفترة السابقة لتحديث القضاء وفصل المحاكم في الزمن العثماني.
أما بالنسبة لي فقد دخلت إلى عالم السجلات من الوجهة المنهجية، لفهم الإمكانات التي تقدمها، وتحديد الموضوعات وطريقة الدخول إليها، مع الدعوة إلى الاستفادة من مناهج علم الاجتماع والأنثروبولوجيا.
السلطتان الدينية والسياسية
◗ هل تقدم السجلات معلومات أم أنها تقدم إمكانات لفهم المجتمع؟
– أعتقد أن السجلات الشرعية تقدم لنا إجابة صريحة عن انفصال السلطة الشرعية عن السلطة السياسية في زمن سابق للحداثة، وفي زمن سابق للدعوات إلى الدولة الدينية. فهذه السجلات تشير بشكل صريح إلى الوالي باعتباره حاكم السياسة، وإلى القاضي باعتباره حاكم الشرع، بما يفيد عن انفصال تام بين السلطتين، فلا سلطة للوالي على القاضي ولا سلطة للقاضي على الوالي.
وإذا كانت الأنظمة الحديثة تقوم على الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، فإن الدولة التقليدية كالدولة العثمانية أو المملوكية، كانت تفصل بين سلطتين: سياسية أو دولتية تدير شؤون المال والأمن والعلاقات الخارجية، وسلطة شرعية تضم الجهاز الديني والجهاز القضائي ويقف على رأسها شيخ الاسلام في اسطنبول الذي يعادل منصبه منصب الصدر الأعظم، أي رئيس الحكومة.
أريد أن أذهب أبعد من ذلك، لأقول إن الدولة العثمانية فصلت بين الشريعة من جهة التي يسهر عليها القضاء والفقهاء والمدرسون، والقوانين التي أحدثها السلاطين من محمد الفاتح وصولاً إلى سليمان القانوني. وهي القوانين التي تسيّر شؤون الدولة والمجتمع أيضاً.
الخليفة والسلاطين
◗ أين تضع فكرة الخلافة أو الدولة الاسلامية في سياق كلامك عن الفصل بين حكم الشريعة وحكم السياسة؟
– الواقع أنه منذ تأسيس الدولة الأموية، تحولت الخلافة الراشدة إلى ملك وراثي، يقوم في البداية على التقاليد العربية في تحالف القبائل، مع تغلغل التأثير البيزنطي ثم الفارسي في مراسم الدولة وهيكليتها وإدارتها، ولهذا نعلم أن عبدالملك بن مروان قد طلب تعريب الدواوين. ونعلم أيضاً أن ابن المقفع الفارسي الأصل والذي اعتنق الإسلام، عاش في النصف الأول من القرن الثاني الهجري (724 – 759م)، قد ترجم إلى العربية الآداب المتعلقة بالسلطة من «كليلة ودمنة» إلى «الأدب الكبير والأدب الصغير»، وكلها مأخوذة في مؤلفات فارسية في السلطة والملك.
لكن الأهم من ذلك، هو أن التشريع الاسلامي، كان دائماً خارج السلطة، والمذاهب الفقهية الكبرى نشأت خارجها، وكان مؤسسوها الكبار في العادة من المعارضين للسلطة كالإمام الشافعي والإمام ابن حنبل وجعفر الصادق.
احتفظ الملوك في الدولة الأموية والدولة العباسية بلقب الخليفة، لكن أيا من الخلفاء لم يكن فقيهاً أو عالماً أو رجل دين. كان لقب الخليفة رمزاً للاستمرارية، وقد أصبح من يحمل لقب الخليفة من الأسرة العباسية في زمن السلاجقة ثم في زمن المماليك، لا يملك أي سلطة.
عاشت الدولة العثمانية منذ تأسيسها وحتى مطلع القرن السادس عشر قرنين من الزمن من دون الحاجة إلى الخليفة الذي كان تحت وصاية السلاطين المماليك، وفي نهاية عمر الدولة في زمن السلطان عبدالحميد الثاني (1876 – 1909) جرى التشديد على فكرة الخلافة لأسباب سياسية تتعلق بمجابهة أوروبا. ومنذ ذلك الوقت بدأ ما يمكن أن نسميه تسييس الإسلام.
الأعيان والفقهاء
◗ بالعودة إلى السجلات التي تنتمي إلى حقبة من التاريخ، كيف يمكن أن تساعدنا في فهم الحاضر؟
– بالإضافة إلى مسألة انفصال السلطة الشرعية والسلطة السياسية، فإن السجلات تفيدنا في فهم الشبكات والوظائف التقليدية، وكيف أن هذه الشبكات والوظائف ما زالت قائمة، ولكن بأسماء وأشكال مختلفة. وعلى سبيل المثال، فإن السجلات تفيدنا في فهم تطور نظام الأعيان في المدن، وتحول رجالهم إلى مواقع الإدارة والسياسة والتراجع الذي أصاب فئة رجال الدين في القرن التاسع عشر لمصلحة فئات اجتماعية من التجار خصوصاً.
إن تطور أوضاع العائلات من خلال قراءتي تبين أن المجتمع المحلي الذي خضع للسلطة العثمانية احتاج إلى فترة زمنية مديدة حتى يتمكن من أن يستعيد تماسكه. وكان الوجهاء أو الأعيان الذين يتحدرون من عائلات العلماء أو التجار قد تمكنوا من أن يلعبوا دوراً وسيطاً بين الأهالي والسلطة في الولاية الممثلة بالوالي، ومن ذلك تخفيف الضرائب أو إزالتها، وتخفيف العقوبات أو الالتزام بالحفاظ على الهدوء في أوقات الاضطراب.
ونعلم من خلال مصادر أخرى أيضاً أنه في زمن التنظيمات أي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، احتل الأعيان في المدن مواقع في مجالس الإدارة وفي المجالس البلدية. الأمر الذي فتح أمامهم المجال للعب أدوار مهدّت لانخراطهم في الحياة السياسية بعد إعلان الدستور عام 1876، وخصوصاً بعد إعادة العمل بالدستور عام 1908.
ومن جهتي، فإنني استفدت من اشتغالي على السجلات من أجل تأسيس كتاب حول نشوء المثقف، وقد صدر تحت عنوان «الكاتب والسلطان، من الفقيه إلى المثقف».
وقد سمحت لي السجلات الشرعية بالتعرف إلى الجهاز الديني، وإلى جهاز الكتّاب الملحق بالإدارة. كل من الفقيه والكاتب كانا يمثلان نمطاً من الثقافة والمعرفة. وبطبيعة الحال فإن الاستعانة بمصادر أخرى يسمح بفهم انحسار صلاحيات الفقهاء في القضاء والتعليم، بسبب الاصلاحات والتنظيمات الحديثة، والانهيار التام لمهنة كتّاب الإدارة الذين أفسحوا المجال لظهور المثقف الحديث.
الإدارة والدستور
◗ كيف نشأ المثقف الحديث؟
– نشأ المثقف العربي من جرّاء الاصلاحات التي أجريت في الإدارة، الأمر الذي أدّى إلى انهيار مهنة الكتاب الذين يعملون في إدارة الدولة، أو في خدمة الباشوات من الولاة أو الأمراء، فعلوم الخط والإنشاء والحساب التي تقوم عليها معارف الكتّاب التقليديين قد طواها الزمن، أمام تطور الإدارة الحديثة التي تستند إلى علوم حديثة في القانون خصوصاً.
وقد لعب هؤلاء الإداريون في اسطنبول في عهد التنظيمات دوراً رئيسياً في تطوير السلطنة وصولاً إلى دفعهم باتجاه تبني الدستور. وفي مصر حدث أمر مماثل. فرجال الإدارة، وكانوا من أصول مختلفة وخصوصاً في عهد الخديوي اسماعيل، عملوا على إيجاد إدارة متخصصة وتعليم متخصص بفضل مدرسة الحقوق والإدارة التي تحولت إلى كلية حقوق.
وتطور التعليم وافتتاح المعاهد الأهلية أو الارسالية لعب دوره، خصوصاً في لبنان، في بروز المتعلم المستقل الذي لم يجد مكاناً في جهاز الإدارة، فبرزت شخصية المثقف الذي جعل المعرفة مهنته. وقد هاجر بعض هؤلاء إلى أميركا، وهاجر بعضهم الآخر إلى مصر حيث وجدوا مجالاً رحباً لإنشاء الجمعيات والجرائد والمجلات والعمل في المسرح وغير ذلك.
وفي جميع الأحوال، فإن المرحلة ما بين اعلان الدستور في اسطنبول عام 1876 وتعليق العمل به بعد أشهر، وثورة عرابي ثم الاحتلال الانكليزي لمصر، وكل ذلك حدث في غضون سنوات وأدى إلى ولادة المثقف الذي ينخرط في الأحداث ويلعب دور الموجه للرأي العام والمنخرط في الأحداث السياسية، تلك هي الفترة الحاسمة التي ولد فيها المثقف العربي.
السياسة والمثقف والجمهور
◗ هل تعتقد أن ولادة المثقف كانت ولادة سياسية؟
– إن الارهاصات المبكرة لولادة المثقف، جاءت كما ذكرت مع الاصلاحات الادارية في عصر التنظيمات الذي يعرف باسم «عصر النهضة». في الفضاء العربي، كان الطهطاوي وعلي مبارك نتاج الاصلاحات في عهد محمد علي باشا والخديوي اسماعيل. لكن اصلاح الإدارة ترافق مع التعرف إلى مفاهيم فكرية كانت الأصل في الثورة الفرنسية الكبرى كالحرية والمساواة والدستور فضلاً عن تأثير الوضعية الفرنسية ورائدها أوغست كونت.
لعبت فكرة الدستور دوراً بارزاً في بلورة المثقف الذي يطالب بإصلاح النظام السياسي وإيجاد هيئة تشريعية وتقييد صلاحيات الحاكم. ففي مصر كان بإمكان المثقفين، وخصوصاً من خريجي مدرسة الإدارة من أمثال لطفي السيد وقاسم أمين وسعد زغلول، أن يكونوا قضاة وموظفين كبارا، وأن يؤسسوا الصحف والأحزاب ويطالبوا بتحرير المرأة وتحرير الشعب وإعلان الدستور وتحرير مصر من الاستعمار. أما في الولايات العربية في المشرق، حيث التضييق على الرأي، فقد آثر المثقفون الهجرة إلى فرنسا أو مصر، من أجل تأسيس الحركات والأحزاب والجمعيات التي تطالب بالدستور.
وعلى هذا النحو، يمكن القول بأن ولادة المثقف العربي كانت سياسية بالمعنى الواسع للكلمة. في وسط القرن التاسع عشر كان هاجس المثقف أو المتنور هو إصلاح الدولة والتعليم والإدارة، ومثال ذلك بطرس البستاني ورفاعة الطهطاوي وعلي مبارك وخير الدين التونسي، وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أصبح هاجس المثقف هو التأثير في الرأي العام. فلا سياسة من دون رأي عام، وقد ولد جمهور من القرّاء الذين يتابعون ما تكتبه الصحف من آراء حول الحرية والدستور فضلاً عن ضرورة التعليم وتعليم المرأة وتحريرها. الرأي العام يعني ان اتخاذ القرارات لم يعد من اختصاص العاهل أو الحاكم أو السلطان فحسب، بل إن للجمهور رأيا أيضاً في نظام الدولة. وهذا ما صنعه مثقفو نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
نهاية التنوير
◗ أصبح انتقاد المثقف عادة دارجة، كما تكثر الشكوى من عدم اضطلاعهم بالدور المفترض بهم أن يقوموا به. وهو دور غامض وغير محدد، فما هو الدور المطلوب من المثقف؟ هل هو دور ثقافي أم اجتماعي أم سياسي؟
– المسألة برأيي أعقد من ذلك، فقلما يتم التمييز بين وظيفة المثقف ودوره، الوظيفة هي أن يقوم بعمله في مجال اختصاصه كما ينبغي أن يكون: أستاذاً كان أو كاتباً أو صحافياً أو فناناً مبدعاً. أما الدور فأن يكون له تأثير في الرأي العام والمشاركة في الهموم والأزمات والقضايا الراهنة التي يعيشها مجتمعه.
في الفترة التي برز فيها المثقف، نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كان ثمة تطابق بين الوظيفة والدور، كانت جميع الكتابات الصحافية والعلمية والأدبية تثير نقاشاً وتترك أثراً. كانت كل أعمال المسرحيين والروائيين المبكرين كسائر الكتّاب تنطوي على رسالة. كان المثقف آنذاك يعتقد بأن جهوده تنطوي على رسالة تنويرية. ولا يغيب عن بالنا أن تلك الفترة كانت حقبة تنويرية عمت العالم بأسره بفعل أفكار أوروبا. لقد انتهى أثر التنوير ليس في العالم العربي ولكن في كل أنحاء العالم والمثقف لم يعد صاحب رسالة أو موعظة.
لهذا ينبغي إعادة ترتيب الأمور، والعودة إلى التمييز بين الوظيفة والدور. بل علينا أن ننطلق من الوظيفة الثقافية، بعد كل ما نشهده من ترد في التعليم في كل مستوياته وتراجع في الابداع في المجالات كافة.
إن اتقان الوظيفة يفسح المجال تلقائياً لدور المثقف الاجتماعي. قد تكون المهمة الأكثر إلحاحاً اليوم، هي تضافر الجهود من أجل إنقاذ التعليم من التدهور الذي أصابه. فلا نهضة ولا تقدم ولا ثقافة إذا لم نقم بهذه المهمة العاجلة.
عثرات الحداثة
◗ أليس من أمر يدعو إلى التشاؤم أن تنعى عصر التنوير؟
– عشنا خلال تاريخنا الحديث على امتداد مئتي عام، حقباً متعددة مثل حقبة النهضة ثم الإصلاح ثم الثورة الخ. وعلى الرغم من أن مسار التاريخ متعرج، ولا يسير في خط مستقيم، فإننا لا نعرف أن التاريخ يعيد تجاربه ويكررها إلا على شكل مهزلة، وفق الرأي الشائع جداً.
لهذا، فإن الذين يريدون أن يكونوا دعاة تنويريين، وأن يعيدوا عصر النهضة من أوله، هم واهمون، لأن ذلك عصر انتهى، ولأن بعض السلطات الحاكمة أبرع في ادعاء الحفاظ على الحرية والديموقراطية والانتخابات النزيهة وتكافؤ الفرص. ومع ذلك فإن تراث النهضة ورجال التنوير يبقون أساساً للحداثة التي تعثرنا في تحقيقها.
هم واهمون مثل أولئك الذين يعتقدون أنهم يريدون إعادة عصر الخلافة بإطلاق اللحى واعتلاء المنابر.
لا هذا ولا ذاك، إن العالم العربي يعيش مخاضاً عسيراً سيفتح المجال أمام مرحلة جديدة ما زالت غامضة الملامح.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق