-->
404
نعتذر , لا نستطيع ايجاد الصفحة المطلوبة
  • العودة الى الصفحة الرئيسية
  • الجمعة، 30 ديسمبر 2016

    د. محمد الحجيري .. بين الشهامة والأمانة.

    د. محمد الحجيري .. بين الشهامة والأمانة.


    كان يوسف منهمكاً في إنهاء وتسجيل حسابات المبيعات لهذا اليوم. لقد دهمه الوقت، وتسلّلت عتمة ما بعد المغيب إلى دكانه. ولكي يُنهي عمله، لم يجدِ الرجلُ مفرّاً من الاستعانة بقنديلٍ، مسح بتأنٍّ بلّورته نصف المكسورة، ليضعها فوق فتيلٍ متفحّمٍ أشعله بعد أن عالجه بمقصٍّ كان على مقربه منه. بدّد نور القنديل المرتجف بعض سواد الظلمة التي حجبت رؤية الأسماء والأرقام في دفتر الدكان السميك. كانت بداية ليلةٍ من أواخر خريف العام 1960، وهي كمثيلاتها لا تختلف بشيءٍ يُذكر عن باقي ليالي البلدة المنسية، التي اكتفت أزقّتها وساحاتها بما تجود به نجوم السماء وقمرها من ضوء. كانت ساحة آل زيدان شبه مقفرة، فقد أقفلت الدكاكين المجاورة لدكان يوسف أبوابها، وخفّت أصوات وحركة المارّة، باستثناء أصوات أجراس مضمحلّة لقطيع أغنامٍ مرّ منذ دقيقتين.. أنهى يوسف عمله، أطفأ القنديل وهمّ بإغلاق باب الدكان، وإذا برجلٍ غريبٍ عن البلدة يبادره بالسلام. كان بمعيّة الرجل سيدة تحمل رضيعاً ثبّتته بقطعة قماشٍ على ظهرها، وتقتاد بيدها اليُمنى طفلاً آخر له من العمر حوالى خمس سنوات. قال الرجل: السلام عليكم؛ فردّ يوسف وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. تابع الرجل: نحن من عابري السبيل وقد دهمنا الليل ونودّ الوصول إلى نبع اللبوة على الطريق الدولية، فهل لك أن ترشدنا إلى أحدٍ ممّن يمتلك سيارةً لنقلنا. أجاب يوسف: يوجد في البلدة حافلتان وهما تنطلقان باكراً عند الثالثة فجراً، أمّا السيارات فعديدها قليل جدّاً أيضاً وأصحابها لا يسافرون ليلاً إلا في حالات الضرورة القصوى. إذاً، ينبغي لكم المبيت هنا، وأهلاً وسهلا بكم ضيوفاً كراما في بيتي. فردّ الرجل بعد أن نظر إلى السيدة التي ترافقه : شكراً جزيلا، هل لي أن أعرف من حضرتك؟ فقال يوسف: يسمّونني يوسف البيضاء. فمدّ الرجل يده مُصافحاً، وقال: تشرّفت يا أخ يوسف، أنا أسمي خليل الجريجيري من قرية جريجير، وهذه السيدة زوجتي وهذان الطفلان طفلاي. فقال يوسف :تشرَّفنا. أغلق يوسف باب الدكَّان بعد أن أخذ معه بعض الحاجيات (أرز ومعلبات وحلو وتمر) ممّا ربّما قد تحتاجه سيدة البيت لإكرام الضيوف. وقال: هيّا بنا، بيتي قريب. استقبلت زوجة يوسف الضيوف بالترحيب، وسارعت بمساعدة ابنتها الكُبرى إلى تحضير الماء الفاتر لغسل الرضيع. ومن ثمّ أعدّا العشاء الذي قدّما قسماً منه للرجلين. أكل يوسف وضيفه في مضافة الرجال، في حين أكرمت سيدة البيت ضيفتها في "غرفة العائلة"، حيث تناولتا العشاء بمعيّة أولادهما وبناتهما وأمضيتا السهرة قرب الموقد. فرشت ربَّة المنزل للضيف ولزوجها فرشتين من الصوف في غرفة واسعة من البيت، هي منامة الضيوف. وأبلغت زوجها بذلك. قال يوسف للضيف: إذا كنت متعباً وتريد النوم، فالفراش جاهز ولا ضرورة للخجل. استحسن الضيف أمر النوم، فانتقل الرجلان إلى منامة الضيوف. وقبل الخلود إلى النوم فكّ يوسف حزامه الذي يضع فيه نقوده، وكان الضيف ينظر إليه، فشعر ببعض الإحراج من وضع حزامه تحت الوسادة بحضور الضيف. أخيراً وضعه بقربه، وخفّف ضوء القنديل وخلد الرجلان إلى النوم. أستيقظ يوسف باكراً ليصلّي الفجر، وفيما هو يهمّ بالخروج للوضوء بادره الضيف: صباح الخير، فردّ صاحب البيت: صباح الخير، هل تريد أن تصلّي الفجر، فقال الضيف بعد أن نهض : نعم، هل لي أن أتوضأ، فأفسح له يوسف الطريق ... وبعد الوضوء أقام الرجلان صلاة الفجر ومن ثمّ احتسيا الشاي الذي أُعدّ لهما قبل الفطور. قال الضيف ربما سيكون من الأنسب لنا، أنا وزوجتي، أن ننطلق الآن لكي لا نتأخَّر عن موعد السيارات المسافرة إلى اللبوة. فردّ يوسف: هذا محال يا ضيفي الكريم، فزوجتي لن تسمح لكما، بأيّ حالٍ من الأحوال أن تغادرا البيت دون أن تُطعمَ الطفلين، ودون أن تتناولا أنتما فطوركما ودون أن تُحْمِلَكما زادَ السفر. بالنسبة إلى زوجتي هذه الأشياء من مسلمّات الأمور التي لا يُمكن المسّ بها سرمداً. خرج يوسف بعد اعتذاره من الضيف لمدّة خمس دقائق ومن ثمّ عاد. وقال للضيف: لقد أرسلت فتىً، هو ابن قريبي إلى أحد السائقين الذين أتعامل معه، لكي يحجُز لكما مكانَين في السيارة، ولكي يطلب من السائق أن يمرّ ليأخذكما من هنا، نظراً لوجود طفلين برفقتِكما. وسيعود بالخبر اليقين بعد دقائق. فقال الضيف أشكرك يا سيد يوسف لقد بالغت في أكرامنا. تناول أصحاب البيت والضيوف الفطور وودّعوا بعضهم البعض. أصرّت زوجة يوسف أن يأخذ الضيوف زاد الطريق الذي أعدّته لهم. وصدق السائق بما وعد به الفتى وهو أن يمرّ الساعة السادسة والنصف لاصطحاب ركابه. استقلَّ خليل الجريجيري وزوجته وطفلاه السيارة وانطلقت بهم نحو وادي البقاع. خرج يوسف إلى دكانه، وبعد دقائق من فتح الدكان أتاه أحد الزبائن الذي اشترى منه جملةً من الحاجيات، وأراد دفع ثمنها بقطعةٍ نقديّة كبيرة، كان على يوسف بعد اقتطاعه ثمن الحاجيات منها سداد الباقي للزبون. ففتح يوسف جيوب حزامه بحثا عن نقوده فلم يجد أية نقود!!
    الرئيس فؤاد شهاب، شخصية لم تتكرّر في تاريخ لبنان. بغضّ النظر، أأحببنا الرجل أم لا، لا يُمكن لعاقلٍ بيننا أن يُنكر الدور الرائد الكبير لهذا الزعيم الوطني في مأسسته الدولة اللبنانية. ربما كان ما فعله الرئيس شهاب خطوةً أولى في محاولة خفيّة أراد منها إخراج الوطن من مستنقع الطائفية والمذهبية. وللأسف تبيّن لاحقاً أنّ الطائفية والمذهبية هما وحشٌ أقوى من الرئيس شهاب وحتى أقوى من الشعب اللبناني مأخوذاً برمّته. في الفترة التي حكم فيها الرئيس شهاب، إذا ما تناسَينا فضائح التعدّي على الحريات الشخصية على يد بعض الأجهزة السريّة (لأسباب سياسية كما يُقال)، نستطيع التأكيد أنّ هيبة الدولة والقانون العام قد بلغت أوجها الأعلى في حين بلغت أسهم الفساد الإداري حدودها الدنيا. وأقلّه، قد كانت ردّةُ فعلِ السلطات الأمنية آنذاك (على أيِّ شكوى متعلقة بخروجٍ على القانون) سريعةً و مذهلةً قياساً على ما رأيناه لاحقاً من تردٍّ لهيبة القانون والدولة. وربما كانت القصّة التي نتابعها دليلاً على ذلك...
    اعتذر يوسف من زبونه، وردّ له القطعة النقدية قائلا: سأستدّ منك المبلغ المطلوب لاحقاً. وأقفل محلّه بعد أن أخذ معه صورةَ رخصة الدكّان، وبطاقتَه الشخصية. وأسرع الخُطى نحو المخفر.كان رئيس المخفر وعناصره يعرفون يوسف جيداً، وكانوا غالباً ما يشترون حاجيّاتهم من محلّه، وخاصّة عندما يتطلّب الأمرُ فواتيرَ قانونيّة. بعد سماع إفادة يوسف، أمر رئيس المخفر عناصرَه باللّحاق فوراً بالـمُـشتبَه به وتفتيشِه، كما أمرهم باصطحاب يوسف معهم، للتعرّف على الرجل المطلوب. تمّ توقيف خليل الجريجيري في اللبوة. وإثر تفتيشه وزوجته تبيّن أنّه بريء. كانت صدمة يوسف كبيرة عندما أدرك أنّه أساء الظنّ برجلٍ بريء. حاول الاعتذار غيرَ أنّ خليل الجريجيري لم يُقدِّر الموقف، وقال له: أيّها العرسالي، لقد أطعمتني وزوجتي بعض الأرُزّ وها أنت تطاردني بغية الحصول على ثمن عشائك الذي أخطأتُ وتناولتُه. وسحب الرجل من جيبه بضع ليرات، ورماها بوجه يوسف الذي عاد إلى بلدته حزيناً مكسور الخاطر، ليس على رأسماله الذي ضاع، بل على كرامته الشخصية التي شعر أنّها مُرّغت في الحضيض لارتكابه ذنباً كبيرا في التعامل مع أصول الضيافة ولإهانته ضيفاً بريئاً. عاد يوسف إلى بيته ولم يهتمّ لـِما قاله له الدركيّ الذي أرسله رئيسُ المغفر بهدف تقصّي القضيّة اللاحقة...
    كلُّ تجمّعٍ بَشَرِيٍّ يرتبط زمنيّا بأشخاصٍ مميّزين، يجعلونه مختلفاً عن كلِّ التجمّعات الأُخرى. فقد تميّزت عرسال في تلك الحقبة بأناسٍ جعلوها مختلفةً عن باقي القرى، ومن هؤلاء نذكر الـمُنادي، الحاج غدادة طيَّب الله ثراه. لقد كان من المعروف أنّه إذا ضاع شيءٌ ما في البلدة فأيُّ عثور ميمون عليه سيرتبط حُكماً باسم الحاج غدادي الـمُنادي الذي كان يعتلي سطوح البيوت في الأحياء المختلفة للبلدة وينادي "يا سامعي الصوت، صلّوا على النبي المصطفى المختار، يا أولاد الحلال من وجد كذا وكذا، رحم الله أمواتكم فهو لفلان الفلاني الذي أضاعه".
    لم يُرِدْ يوسف أن يُكَلِّمَه أحدٌ في موضوع فقدان النقود. غير أنّ زوجتَه أصرّت أن يُنادي الـمُنادي. وأرادت لذلك أن تعرف القيمة التقريبيّة للمبلغ المفقود. بعد طول حديثٍ، قال يوسف لزوجته: حسنا أنا سأتولّى موضوعَ الـمُناداة. وتركها خمس دقائق ليعود وبرفقته الحاج غدادة. شرح يوسف للحاج الموضوع، وطلب منه أن يُنادي في عدَّة أمكنة من القرية.
    بعد أقلّ من ساعة على الـمُناداة، وبينما كان يوسف جالسا أمام دكانه رأي الشاب سمير علي يقتاد أخاه الأصغر أمامه ببعض القسوة، وقد كان سمير من الشباب المشهود لهم في عرسال وجوارها بالشهامة وحسن الخُلُق، فنهض يوسف صائحاً: لا لا يا سمير يا ابن أخي أنه طفل وهذا تعسّف لا يليق بسمعتك الطيّبة. كان سمير قد اقترب من يوسف فقال : عمي "أبو محمد"، السلام عليكم، (وتابع الكلام وهو مُمسك بخناق أخيه)، لقد فضحنا هذا الثعلب الصغير، فنرجو المعذرة. أقترب يوسف فرفع يد سمير عن أخيه الأصغر، وأجلس الطفل قربه على الأريكة وبدأ يهدِّئ روعه. وقال لسمير تفضَّل بالجلوس. بيد أنّ سمير سحب من جيبه منديلا قماشيا مربوطا وأعطاه ليوسف وقال له ارجوك يا عمّي يوسف أن تعدَّ هذه النقود لنعلم كم صرف منها هذا الثعلب الصغير...لقد أقرّ لي بأنَّه قد رآك وانت تحاسب أحدهم حيث أوقعت رزمة النقود سهواً، فأخذها وذهب عِوَض ردّها إليك ...فقال يوسف شكرا يا أبن أخي على شهامتك وأمانتك لا تغضب، إنَّه مجرّد طفل سيصبح يوما بشهامة وأمانه أخيه سمير...شفى الله من سمّيته سمير في هذه القصة ورحم أبويه..

    هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة، لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى، حيث يمكنك أن تولد مثل هذا النص أو العديد من النصوص الأخرى إضافة إلى زيادة عدد الحروف التى يولدها التطبيق

    الناشر : محمود الحجيري

    ليست هناك تعليقات:

    إرسال تعليق

    جميع الحقوق محفوظة ل زهرة الكرز
    تصميم : عالم المدون