اقفل قبل أيام باب الترشح للانتخابات الأولية للاشتراكيين ومؤيديهم (التي تحمل اسم "التحالف الشعبي الجميل") بتقدم 12 مرشحاً إليها، عدا عمن قرر الخروج عن إطارها. وعلى هذا الاكتظاظ، فلم يكن ينقص اكتمال المشهد في المسرحية الاشتراكية المضجرة إلاّ تراجع "المرشح الاشتراكي الأقوى"، مانويل فالس، بالحماسة نفسها عما قاتل من أجله واتخذ فيه قرارات أساسية! وتحديداً تمريره إقرار القوانين بفضل اللجوء الى المادة 49.3 من الدستور التي تلتف على التصويت النيابي وتستغني عنه، والتي يفترض ألاّ تستخدم إلا في حالات الضرورة القصوى. فالس لجأ الى هذه المادة خمس مرات خلال وجوده في السلطة، آخرها كان بخصوص قانون العمل، وهو لم يكن بالتأكيد من طبيعة داهمة. يقول الرجل منذ يومين (وفي مقابلة مع إذاعة فرانس انتر) أنه سيلغي هذه المادة فيما لو أصبح رئيساً للجمهورية. ويقول أن المرء يتعلم من تجاربه. ولكن لعل المزعج والضار بصدقيته هو النبرة بالغة الاقتناع والثقة التي تحدث بها، تماما كما كانت حين سبق له أن قال (وفعل) النقيض. وتراجع بالطريقة القاطعة ــ المقنعة نفسها عن فرض الضرائب على ساعات العمل الإضافية، وتلك كانت نقطة جدل حادة أيضاً فيما مضى ولو أنها لم تمس، كما بالنسبة للمادة 49.3، جوهراً دستورياً.
فالس الطامح لتأمين وجوده في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي تجري في أيار/ مايو المقبل ــ مما لا يدعمه أي استطلاع رأي أو تقديرات ــ تَحرّر من القيد الذي كان يمثله ترشح الرئيس هولاند لو حصل. وفالس كان رئيس وزراء في السنوات الماضية، بعدما كان وزيراً للداخلية، وأظهر في المكانين صفات تخص من يُنعَتون ب"وحش سياسة"، فركب موجة "محاربة الإرهاب" باتهام المسلمين والمهاجرين به، بل والإسلام نفسه، دون خشية من عنصرية. وإذا كان الرئيس هولاند قد تبنى مشروع "إسقاط الجنسية" عن "المتهمين بالإرهاب" الذي كان يمكن أن يتوسع ليشمل تهمة "الإضرار بالبلاد" الفضفاضة، ولاقى معارضة كبيرة ونُعت باللادستورية، وأدى إلى مزيد من تفكك اليسار الفرنسي، واستقالة وزيرة العدل من الحكومة، ثم عاد وأبدى مؤخراً ندمه على المقترح (الذي طُوي أصلاً)، واعتبره خطأ كبيراً.. ففالس لم يندم بخصوص التوظيف الذي مارسه في المجال ذاته.
وكمرشح، فهو يعتبر نفسه الممثل البديهي لليسار الحكومي في الانتخابات الرئاسية. والمسالة أنه، بسبب مواقفه وطباعه الحادة التي تداني الشراسة، فقد يصبح سريعاً المرشح الاشتراكي الذي ينبغي قطع الطريق عليه من قبل معسكره نفسه، تماما كما حصل مع نيكولا ساركوزي. ويمكن أن تسير كلمة السر تلك: "كله عدا فالس". إلا أن ما قد يحميه من مصير مشابه هو تشتت اليسار الى حد مدهش، والاضطراب العميق في هويته. وقد صار مقبولاً من أصحابه نعت "اليسار الليبرالي"، الذي ينتمي اليه هولاند وفالس (وسواهما بالطبع)، الساعي لخفض الإنفاق العام ولتخفيف الأعباء عن الشركات الخ.. والذي لا يناهض التوسع في استخدام الطاقة النووية، كما لا ينزعج من الحروب، ولا من المقاربات الأمنية البحتة لمسائل اجتماعية، وعلى رأسها تدهور الأوضاع في الضواحي.. ويصعب بالتالي تمييز هذا اليسار عن المواقف اليمينية على أكثر من صعيد وليس فحسب في ما يخص الاقتصاد، وإن كان يحافظ على شيء من الاختلاف عن اليمين في المسائل والمقاربات المجتمعية (كالموقف من زواج المثليين أو من الإجهاض الخ..). وأما "اليسار الاجتماعي" الكلاسيكي، فعاجز عن الخروج من لغته الخشبية، ويبدو مفوّتاً تماماً بإزاء الشكل الذي يتخذه عالم اليوم. وهو يبدو وكأنه يتقدم بمرشحين للرئاسة من قبيل إثبات الوجود، أو من اجل الحفاظ على مكانة تتيح تقديم مرشحين للنيابة ولانتخابات محلية متعددة، وهي حال الحزب لشيوعي الفرنسي تحديداً.
إلا انه لن يبقى من دزينة المرشحين تلك إلا بضعة هم القادرون على توفير العدد المطلوب من "العرابين" ( 500توقيع من نواب وأعضاء مجلس شيوخ ورؤساء مجالس بلدية..). ويبرز من بين المرشحين الأربعة أو الخمسة الذين سيحق لهم التقدم للانتخابات الأولية ل"التحالف الشعبي الجميل" التي ستجري في 22 ثم 29 كانون الثاني/ يناير، وتختار حصاناً رسمياً للمشاركة في السباق الرئاسي، شخص كان مغموراً حتى اليوم، هو بونوا هامون، النائب عن منطقة ايفلين.، وهو يتقدم بشكل حثيث ليحتل موقع ممثل اليسار في الحزب الاشتراكي، مراهناً على تأييده من الشباب وحماستهم له. والرجل متماسك في مقاربته ويسير بعكس التيار النيوليبرالي، ولكنه وفي الوقت نفسه مواكباً للتغيرات والتحديات الراهنة وليس مفوتاً. فهو يدعو إلى إقرار حد أدنى من المدخول لكل المواطنين، والى خفض ساعات العمل، ويتميز بدفاعه عن استقبال وإدماج المهاجرين (ويقول في هذا المجال أنه خجل عندما ذهب فالس لتقريع رئيسة الوزراء الالمانية المحافظة على اهتمامها بهم)، ويدعو إلى إعادة تأسيس الجمهورية، ويناهض التساهل مع الشركات متعددة الجنسيات التي تروج لمستحضرات مضرة بالبيئة والإنسان، ويقول أنه لا يفهم نفسه كاشتراكي إلاّ بمزاوجة ذلك بكونه بيئياً، ويناهض بوضوح وصراحة الاشتراكية ــ الليبرالية التي يعتبر أن مانويل فالس هو اليوم أبرز وجوهها، إذ أن ماكرون (المرشح الآخر الشاب والمراهن أيضاً على كاريزميته وعلى تأييد الشبيبة له) قد أنهى أمر الالتباس برفعه شعار "لا يسار ولا يمين"، ويقول أنه لا يقدم برنامجاً وإنما رؤية.
وإيمانويل ماكرون ذاك نيوليبرالي بحق، وقد كان وزير الاقتصاد السابق وفتى هولاند المدلل قبل أن يستقيل من الحكومة والحزب، ويشكل حركته السياسية "السائرة"، وقد أصبح مؤيدوه يعرفون ب"السائرين". وهو يراهن على الاستفادة من طغيان الشعور بالحاجة الى وجوه جديدة في السياسة. وأما الشخصية الثانية التي رفضت الانخراط في الانتخابات الأولية للاشتركيين، فهو جان لوك ميلانشون، الذي كان يطمح لأن يكون مرشح يسار اليسار الأوحد، ما رفضه الشيوعيون والتروتسكيون. وهو كهامون، يدعو للخروج من النووي، وتحديد الفارق بين الأجور بنسبة 1 الى عشرين (فيما الفروق فاحشة اليوم)، وخفض سن التصويت الى 16 عاماً وجعله الزامياً. وهو، كهامون، يدعو الى تشريع استخدام الحشيش..
ستكون تسلية جيدة خلال الأشهر المقبلة!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق