الأربعاء، 6 يوليو 2016

الدكتور محمد الحجيري : حول تكوّن النظريّات الرياضيّة على مثال جبر الخوارزمي (هدية إلى طلاب بلدتي الحبيبة)


1- مُقدِّمة لقد بقي تاريخ العلم العربيّ، ومنه الرياضيّ-الهندسيّ، مغموراً فترةً طويلة. وعلى عكس ما كان سائداً منذ فترةٍ قصيرةٍ لا تتجاوز عشرات السنين، تُشير غالبيّةُ نتائجِ تحقيقِ الـمخطوطات العلميّةِ العربيّة ودراستِها، إلى أنّ لِعلماء الحقبةِ العربيّة دورهم الذاتيّ الكبير، ليس في تطوير العلوم الرياضية وتثبيت أصولها النظريّة فحسب، بل أيضاً في تسريعِ عجلة التطوّر العلميّ. إثر نشوء الخلافة الإسلامية، أدّت مركزةُ الـمعارِفِ العِلْمِيّةِ في لُغَةِ الضّادِ إلى بُروزِ نُظُمٍ واكتِشافاتٍ عِلْمِيّةٍ لم يَعْهَدْها التاريخُ مِنْ قَبْلُ، وَكُتِبَتْ كُلُّها بالعَرَبِيَّة: كالجَبْرِ عِنْدَ الخوارِزْمِيّ وَأبي كامِلٍ، والبَصَرِيَّات والفَلَكِ وَرِياضِيّاتِ اللاّمُتَناهِيَةِ في الصِغَرِ عِنْدَ ابنِ الهيثم، والـمعادلات الجبريّة عِنْدَ الخيام، والأُكَرِ عِنْدَ ابن عراق والخُجنديّ والبوزجانيّ الخ. ونشير هنا إلى أنّه في الوقت الّذي نجد فيه فئةً طليعيّة من علماء ذلك العصر ترابط على الجبهة الأولى للبحث العلميّ، تطالعنا أيضاً فئةٌ طليعيّة أُخْرَى من العلماء تعكف على دراسة وتحليل وتصويب وتطوير التراث العِلْمِيّ الـموروث من الأمم السالفة. ولذلك نجد في اللّغة العربيّة العديدَ من الشروحات والإصلاحات لِكُتُبِ علماء اليونان. ونذكّر هنا بتعدد الكتابات والشروحات والتنقيحات العربية التي تناولت أعمال علماء اليونان القدماء كأرشميدس وإقليدس وأبولونيوس وثيودوسيوس الطرابلسي ومانالاوس السكندري وسواهم . - فرضية الحتمية في البعد التاريخي: لا رَيْبَ في أنّ التَحَوُّلاتِ الاقْتِصادِيَّةَ وَالسِياسِيَّةَ الجَذْرِيَّةَ الّتي واكَبَت نُشوءَ الخِلافَةِ الإسْلامِيَّةِ قَدْ أدّت إلى تَحَوُّلاتٍ نَوْعِيَّةٍ رَديفَةٍ في البُنْيَتَيْنِ الثَقافِيَّةِ والعِلْمِيَّةِ لِلشُعوبِ الّتي عاشَتْ في ظِلِّ الحُكْمِ الجَديدِ. وَقَدِ امتَدَّت سُلْطَةُ تِلْكَ الخِلافَةِ على رقعةٍ جغرافيّة مترامية الأطراف، تحدُّها الصين شرقاً وإسبانيا الأندلسيّة غرباً. وتعدّدت وتفاوتت ثقافات وتقاليدُ ولغاتُ ومعارفُ تلك الشعوب. وبغضّ النظر عَمَّا وفّرته النتائجُ الأكيدة الـمترتّبة على اندماجٍ وانصهارٍ ثقافِيَّيْنِ قلّ نظيرُهُما في التاريخ من أرْضِيَّةٍ خصبةٍ لتطوّر الـمعارف العِلْمِيّة، لا يمكننا قطعاً أن نَحْسَبَ تطوّرَ الـمعرفة العِلْمِيّة في الحقبة العَرَبِيَّة مجرّدَ قيمةٍ مضافةٍ أفضت إليها حركةُ ترجمةٍ نَشِطة (كما كان يعتقد الكثيرون من فلاسفة ومؤرّخي العلوم الغربيّين)، أو ظاهرةٌ اندماجيّةٌ بين شعوبٍ مختلفة. وذلك أنّ تطوير العلوم في ظلّ امبرطوريّة مترامية الأطراف تفرضُه موضوعيّاً - وقبل كلّ شيء - ضروراتٌ اقتِصادِيّةٌ وسِياسِيَّةٌ لا يمكن تجاهلُها البتّة. فاكتشاف مبرهنة الجيوب مثلاً وتطوّر عِلْمِ الأُكَر في تِلْكَ الحقبة لم يكونا حصيلةَ مجرّد ترجمةٍ، أو ترفٍ فكريٍّ، أو تبادلٍ لخبرات الشعوب والثقافات، لا بل ارتبط هَذا الاكتشاف وذلك التطوّر جدليّا بمسائل التقويم وظواهر الفلك، والجغرافيّة الرياضية، وحركة الـمواصلات والإبحار الّتي كانت شأناً حيويّاً مباشراً من شؤون الدولة، له أهَمِيَّتُهُ وأبْعادُه السِياسِيَّةُ والاقْتِصادِيَّةُ والتَنْظيمِيَّةُ، وَحَتَّى العَسْكَرِيَّةُ والاستراتيجِيَّةُ إذا صَحَّ القَوْلُ. لَقَدْ تطوّر العلم العربيّ سريعاً إذاً، ولضروراتٍ وعللٍ كامنةٍ تعودُ جذورُها الـمعرفيّةُ والتاريخيّة والفلسفيّة، في الـمقام الأوّل، إلى مَرْكَزَةٍ اقتِصاديّةٍ وسِياسِيَّةٍ وَعَسْكَرِيَّةٍ غَيْرِ مَسْبوقَةٍ، وَتعود في الـمقام الثاني إلى ظاهِرَةِ انصِهارٍ عمْلاقٍ لِتَقاليدَ مُتَعَدِّدَةٍ، وإلى تَوْحيدِ لُغَةِ التَواصِلِ (اللُّغَة العَرَبِيَّة) الّتي استَقْطَبَت باللّزومِ التَكامُليّ كُلَّ الـمعارِفِ العِلْمِيّةِ السابِقَةِ، وَذَلِكَ عَبْرَ حركةِ ترجمةٍ حثيثة لم يَشْهَدِ التاريخُ السابِقُ مثيلاً لها أيضاً. 2- الـمنْحَى التاريخيّ لتطوّر علم الجبر في الشرق العربيّ نهدف هنا إلى استعراضٍ جُزئيٍّ مبسّطٍ وسريعٍ للمسار "النظريّ - الـمعرفيّ" الّذي يُمثّلُهُ تطوّرُ علم الجبر في الحقبة العربيّةِ وإلى رصدِ فروعه وتشعّباتِه. لقد تطوّر الجبر العربي على مسارين منفصلين: الـمسار الحسابي والـمسار الهندسيّ بَدءاً بالخوارزميّ (787-850) والـماهانيّ (..-880) والخازن (…- 961)، والبيرونيّ (973-1050) وأبي نصرٍ بن عراق…، وصولاً إلى قِمّة تطوّره في الأعمالِ الجبريّةِ لعمر الخيّام (1048-1131.. وبذلك يكون تطوّرُ الجبر في الشرق العربيّ قد تحرّك في اتجاهين رئيسيّين وهما: الجبر الحسابيّ والجبر الهندسيّ، ولكننّا لن نخوضَ في تفاصيل هذا الأمرِ، وسنكتفي بتناولِ التطوّر الـمتعلّق بنظريّة الـمعادلات. 2-1 ظهورُ علم الجبر ومُؤلَّفُ الخوارزميّ (787 - 850) – الكتاب الـمختصَر في حساب الجبر والـمقابلة يُعتبرُ تشكُّلُ الـمفهومِ الرياضيِّ الـمجرّدِ قفزةً نوعيّةً تاريخيّةً فاصلةً بين الـمستوى الحدسيّ التجريبيّ والـمستوى النظريّ الـمجرّد، فإدراكُ "مقدارٍ فعليٍّ معيّنٍ" يختلفُ نوعياً عن إدراكِ مفهومِ "مُتَغَيِّرٍ ما في مجموعةِ الـمقادير". وحلُّ "معادلةٍ جبريّةٍ مُعيّنةٍ" من الدرجة الثانية يختلفُ نوعيّاً أيضاً عن مسألةِ البحث عن حلِّ "الـمعادلةِ الجبريّة من الدرجة الثانية بشكلها الـمجرّد العامّ"، وإعطاءُ برهانٍ لِ‍ "مسألةٍ هندسيّةٍ معيّنةٍ" يتباينُ نوعيّاً مع بناء نظريّةٍ شموليّةٍ قادرةٍ على حلِّ جملةٍ من الـمسائل الهندسيّة دفعةً واحدةً. إنّ تَكَوُّنَ مفهومِ "الأصابع الخمس" قد سبق بزمنٍ طويلٍ – وهذا لاشكّ فيه - تكوّنَ مفهومِ العدد "خمسة"، وكذلك الأمرُ، فإنّ تَكَوُّنَ مفهومِ "شجرة الّتين" قد سبق بزمنٍ طويلٍ تَكَوُّنَ مفهومِ "الشجرة" بالـمعنى الشموليّ للكلمة. ومن البديهيّ أن تُمَثِّلَ ظاهرةُ الانتقال من "الـمفهوم الحسيِّ الـملموس" إلى "الـمفهوم الـمجرّد" - من حيثُ الأبعاد الـمعرفيّة – قفزةً نوعيّةً في مسيرة التطوّر العلميّ، ولكنّ تبلورَ هذه القفزة النوعيّة قد يستغرقُ ألوف السنين. إنّ الـمفاهيمَ الـمجرّدة هي اللّبناتُ الأساسيّةُ الّتي تُبنى منها الاستدلالاتُ وأشكالُ التفكير في مستواها النظريّ، وذلك بواسطة لغةٍ نظريّةٍ خاصّةٍ تلعب دور الجسد الّذي يحمل هذه الـمفاهيم. أما تَكَوُّنُ النظريّات الرياضيّة (أي النماذج النظريّة) فهو أمرٌ اكثرُ تعقيداً بكثير من تَكَوُّنِ الـمفاهيم الرياضيّة الـمجرّدة، وهو يتطلّب أُسْوَةً بالـمفاهيم الـمجرّدة لغةً خاصّةً موسّعةً (ما وراء اللّغة) قادرةً، ليس على حملِ الاستدلالات فحسب، بل على جعل التعاطي معها و"تحريكها" أمراً سهلاً ومُمكناً. ولـمّا كانت الرِياضيّاتُ علماً يتناولُ دراسةَ الأشكال الفضائيّة والعلاقات الكميّة في الواقع الـموضوعيّ، فقد تجسّدت ملامحُ الشقّ الأوّل من هذا التحديد الـمعرفيّ بظهورٍ تاريخيٍّ للهندسة الإقليديّة كنموذجٍ رياضيٍّ للأشكال الفضائيّة، حيث تكوّنت الـمفاهيمُ الـمجرّدة في هذا العلم تباعاً وفي فترةٍ تاريخيّةٍ مديدةٍ ساهمت فيها التقاليدُ الـمختلفة. وتبلورت بشكل نظريّةٍ مكتملةٍ - وذلك بكلّ ما لكلمة نظريّة على الـمستوى النظريّ من معنى - عند إقليدس في كتاب الأصول. أما الشقُّ الثاني للتحديد، أي الشقّ الـمتعلّق بالعلاقات الكميّة، فقد لَقِيَ تطوّراً نوعيّاً في تبلوره، وعلى الـمستوى النظريّ الأكيد، لدى الخوارزميّ الّذي أرسى أُسُس علمٍ جديدٍ بمفاهيمه ومنهجيّتِهِ وأهدافه، وقدرته الشموليّة الكامنة على نَمْذَجة مجموعةٍ ضخمةٍ من العلاقات الكميّة لظواهر وأشياء الواقع الـمحسوس. ومن الطبيعيّ أن تتفاوتَ الـمفاهيمُ الـمجرّدةُ فيما بينها، من حيث صعوبةِ أو سهولةِ إدراكِها ومن حيث الوصول إليها. فمفهوما الدائرة والـمستقيم، مثلا،ً أبسطُ نسبيّاً من مفهومِ "الجذر" (بالـمعنى الّذي ورد فيه في جبر الخوارزميّ وتطوّرِه اللاّحق)، وذلك لارتباطهما الـمباشر بالواقع الـملموس، فالدائرةُ تجريدٌ مباشرٌ لقرص الشمس والقمر، والخطُّ الـمستقيمُ تجريدٌ لاستقامةِ الخيط الـمشدودِ من طرفَيْه، ويترك هذا الأمرُ - لا ريب في ذلك - تأثيرَه في مجال أسبقيّةِ تَكَوُّنِ النظريّات العلميّة، وهذا بالفعل ما نراه: فلقد تبلورت نظريّةُ الهندسة الإقليديّة قبل ظهور علم الجبر بعدّة قرون. إن الإشكاليات ذات الطابع الـمعرفيّ - الـمنطقيّ الّتي تواكبُ بناءَ النظريّة الرياضيّة لا تنتهي في مرحلة معيّنة من تطوّر هذه النظريّة، فمسائلُ الاكتمالِ وعدم التناقض وأساليبُ التأويل تُشكّلُ أموراً مُلازمةً لكلّ نظريّةٍ رياضيّة. وبغضّ النظر عن الضرورات الّتي تفرض علينا الاستعانةَ بأساليب من خارج النظريّة، نستطيع الجزمَ بأنّه يُوجد: 1- ميلٌ موضوعيٌّ (مستقلٌّ عن الـمسائل الـمنفصلة وعن إرادة الباحث) إلى تطوير النظريّة الرياضيّة، وهذا الأمر يأتي كردٍّ لا مفرّ منه على مسألة الاكتمال الـمنطقيّ. وفي هذه الحالة تُضافُ إلى النظريّة الرياضيّة موضوعاتٌ جديدةٌ مأخوذةٌ من مكانٍ آخر (من نظريّةٍ ثانية). تُوسّعُ هذه الـموضوعاتُ النظريّةَ القديمةَ، فيظهرُ عندنا بناءٌ نظريٌّ جديدٌ أغْنَى من البناءِ الّذي امتلكته النظريّةُ الأُولى. 2- ميلٌ موضوعيٌّ لاستبعادِ "التناقض الـمنطقيّ"، الأمرُ الّذي يدفعنا بالضرورة للتثبُّت من خُلُوِّ النظريّة الرياضيّة من التناقض وذلك عَبْرَ تأويلها بواسطة نظريّةٍ رياضيّةٍ أُخْرَى "غيرِ مشكوكٍ فيها".وتكتسب تقنيّةُ التأويل هذه أهميةً بالغةً لأنّها تُفسح الـمجالَ أمام الانتقالِ من نموذجٍ رياضيٍّ إلى نموذجٍ آخر، بحُجّة التطابقِ الناتجِ من علاقة التأويل. نرى أنّ "دمجَ" النظريّات الرياضيّة وتداخلَها فيما بينها أمورٌ موضوعيّةٌ، تفرِضُها دوافعُ كامنةٌ لها صِلةٌ مباشرةٌ بمقولَتَي الاكتِمالِ النظريّ وعدمِ التناقض. وهذا ما حدث بالفعل بين الهندسة الإقليديّة وجبر الخوارزميّ، وبين طُرُق الاستنفاد – أي بذور الطُرُق التحليليّة – والهندسة الإقليديّة. بين عامَي 813 و 833 أي في عهد الـمأمون كتب محمّدٌ بنُ موسى الخوارزميّ (787 - 850) في بغداد، مؤلَّفَه الشهير الكتاب الـمختصر في الجبر والـمقابلة. ولأوّل مرةٍ في التاريخ صيغت الكلمةُ "جبر" وظهرت تحت عنوانٍ يُدَلُّ به على علمٍ لم تتأكّد استقلاليتُه بالإسم الّذي خُصّ به فحسب، بل ترسّخ كذلك مع تصوّرٍ لمفرداتٍ تقنيّةٍ جديدةٍ مُعدّةٍ للدلالةِ على الأشياءِ والعمليّات. كان الحدثُ بالغَ الأهميّةِ، وقد اعترف بأهميّته هذه الـمؤرخون القدماء والـمحدثون على السواء، كما لم تخفَ أهميّتُه على رياضيّي تلك الحقبة، إذ لم يتأخّرِ الرياضيّون حتّى أثناء حياة الخوارزميّ، فضلاً عمّن جاء بعده، في شرحِ وتفسير كتابه. وسنكتفي بذكر أسماء بعض من أتى مباشرةً بعده، ومنهم: عبد الحميد بن ترك، ثابت بن قرّة، الصيداني، سنان بن الفتح، أبو كامل (850-933م.)، أبو الوفاء البوزجاني. ونفهمُ دون عناء أنّ بين هؤلاء الشارحين من كان ذا مُساهماتٍ أساسيّة في تأسيس علم الجبر. يُختصرُ أهمُّ ما يميّز كتاب الخوارزميّ من وجهة النظر الـمعرفيّة - الـمنطقيّة بما يلي: 1- إدخال الخوارزميّ لمفاهيم مجرّدةٍ جديدةٍ: "الجذر" أو "الشيء"؛ الـمال (مربع الشيء)... 2- إخضاع الـمفاهيم الـمجرّدة الّتي أُدخلت لعملياتٍ جبريّة تُعمّم العمليّاتِ الحسابيّةَ الـمعروفة على الـمقادير والأعداد. 3- الطرح الشموليُّ لأهداف هذا العلم بشكلٍ عمليّ، عَبْرَ تصنيّف الـمعادلات الجبريّة من الدرجة الثانية والأولى إلى ستّة أصنافٍ، وإعطاء خوارزميّات الحلول لهذه الـمعادلات. فبذلك يكون الخوارزميّ قد أعطى نموذجاً رِياضيّا مُبتكراً، لم يذكرْه أحدٌ من سابقيه، ويمتلكُ كلَّ مواصفات النظريّة الرياضيّة من حيث اللّغة الخاصّة وقواعد العلاقات الّتي تربط كائنات هذا النموذج فيما بينها. ملاحظات حول كتاب الخوارزميّ: أ‌- بغضِّ النظر عمّا يحتويه كتاب الخوارزميّ من حلولٍ للمعادلات وحساباتٍ وبراهينَ مبتكرةٍ، تتمحور أهميّتُه الكُبرى حول منهجيّته النظريّة الـموحّدة، والهادفة إلى حلّ مجموعةٍ ضخمةٍ من الـمسائل باستخدام هذه الـمنهجيّة النظريّة. (وهذه هي السِمة الأساسيّة للنظريّات العلميّة، حيث يُفترض بالنظريّة العلميّة أن تفسّر مجموعةً ضخمةً من الظواهر استناداً إلى مجموعةٍ من القوانين النظريّة الـمترابطة). يقول الخوارزميّ بهذا الصدد: "...توفير كتابٍ موجزٍ للناس يعالجون فيه مسائلهم الحسابيّة ومبادلاتهم التجاريّة، وميراثهم، ومسحَ أراضيهم". فهدفُ الخوارزميّ واضحٌ إذن لم يتصوّرْه أحدٌ من قبله، وهو بناءُ نظريّةٍ للمعادلات الّتي تُحَلُّ بالجذور والّتي يُمكن أن تُرَدَّ إليها مسائلُ الحسابِ والهندسةِ على السواء ب‌- أعطى الخوارزميُّ تعليلاتٍ هندسيّةً لحلوله الجبريّة "الخوارزميّة" الـمتعلّقة بالـمعادلات من الدرجة الثانية ثلاثيّة الحدود، تُذَكِّرُنا بالكتاب الثاني لإقليدس. وتمتلك هذه "التعليلات الهندسيّة" أسبابَها ودوافعها الـمنطقيّة، وهي بالطبع ليست وليدة عفويّةٍ لدى الخوارزميّ في عرض بنائه الرياضيّ. ونستطيع أن نورد الفرضيّات التالية الّتي تصلُح أن تشكّل أسباباً ودوافعَ معقولةً لهذا الأمر: 1- من الـممكن أن يكون الخوارزميّ قد رمى من وراء ذلك إلى إظهار واختبار "شرعيّة" تطبيقه العمليّاتِ الحسابيّةَ على الكائناتِ الجبريّةِ الـمجرّدةِ الـمدخَلة، مستعيناً بالأساليب الهندسيّةِ الّتي توفّرُ إمكانيّةً جيدةً للتصوّر الـملموس. إضافةً إلى احتمالِ قيامه بذلك بُغْيَةَ الـمقارنة بين الأسلوبَيْن الجبريّ والهندسيّ، وصولاً إلى إظهار أفضليّة الأسلوب الأوّل. 2- من الـممكن أن يكونَ الخوارزميُّ قد أراد "شَرْعَنَةَ" نظريّتِه (أي بلغةٍ حديثةٍ: إقامة الدليل على عدم تناقضها) وذلك عَبْرَ تأويلها هندسيّاً، أي بواسطة نظريّةٍ معروفةٍ آنذاك "لا يُشَكّ بها". وهذا الأمرُ مهمٌّ أيضا لأنّ تعميم العمليّات الجبريّة على مفاهيمَ نظريّةٍ مجرّدةٍ مُدخَلةٍ قد يبدو غيرَ اعتياديٍّ ويُثيرُ الشكوكَ حول خَرْقِ مبادئ الـمنطق، وفي طليعتها مبدأ الهويّة ومتطلباته. 3- من الـممكن أن يكون الخوارزميُّ قد هدف إلى "إظهار" استقلاليّةِ العمليات الجبريّةِ والنتائجِ الـمترتّبة عليها عن طبيعة الأشياء الّتي ترمز إليها (من أعدادٍ وأطوالٍ ومِساحاتٍ وحجوم)، وبِلُغةٍ أُخْرَى لربّما أراد الخوارزميُّ من خلال ذلك "تجريدَ الـمفاهيم الجبريّة" عن أصولها الـملموسة، الهندسيّة وغيرها. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ عمل عمر الخيّام (1048-1131) نحا في الاتجاه نفسه، عند معالجته لوَحْدَة القياس، ولكنّه ذهب أبعد من ذلك. ج- من الـملفت للنظر، أنّ الخوارزميّ يُدخلُ في لُغَةِ "جبره" مفهومَ "الشيء" و"الـمال"، علماً بأنّ هذا الأخير يَنْتُجُ من "الشيء" بتطبيقِ العمليّات الجبريّة (الضرب)؛ ولا يَتَعَدّى الخوارزميُّ بتحديده ذلك، لإدخالِ مفهوم "الكعب" وما يليه من قِوَى أُخرى للمجهول. لا مكان هنا لمناقشة هذه التساؤلات ، ولكن، مهما كان التفسيرُ فإنّه أقلُّ من كافٍ لاعتبار "جبر" الخوارزميّ مجرّد نظريّةٍ على الـمستوى الحدسيّ، وذلك أن مواصفات هذا الجبر تبقيه، على الرّغم من كلّ شيءٍ، أقربَ بكثير إلى النظريّةِ على الـمستوى النظريّ الأوّليّ. 2-2 تطوّر الجبر في الشرق العربيّ حتّى الخيّام جرى هذا التطوُّرُ على محورَيْن رئيسيّيْن: الجبر الحسابيّ و الجبر الهندسيّ. ومن الصعب هنا التوقّفُ عند كلِّ الرياضيّين الّذين اشتغلوا في هذا العلم، ولكنّنا سنحاول التوقّفَ قليلاً عند بعضهم: نجد عند ابن ترك (القرن التاسع) نوعاً جديداً من البراهين الهندسيّة، وتحليلاً أشملَ لخوارزميّات حلِّ الـمعادلات من الدرجة الثانية. كما أنّنا نجد عند ثابتٍ بن قرّة (836-901) براهينَ لقواعدِ حلِّ الـمعادلات الرابعة والخامسة والسادسة، وَفْقَ تصنيف الخوارزميّ، وذلك استناداً إلى قضيّتَي إقليدس الخامسة والسادسة اللّتين وردتا في كتابه الثاني من الأصول. كما أعطى أبو بكرٍ الكرجيّ (1010) حلولاً لمعادلات من درجات عُليا عَبْرَ ردّها إلى معادلاتٍ من الدرجة الثانية. وقد نال جبرُ الـمعادلات من الدرجة الثانية تطوّراً ملحوظاً في كتاب أبي كامل (850-930)، كتاب الجبر والـمقابلة، حيث يُجري أبو كامل بسهولةٍ وبتقنيّةٍ عاليةٍ تحويلاتٍ مختلفةً على العبارات الجبريّة غيرِ الـمنْطَقَةِ، وقد خلا كتابُه الـمذكور من التطبيقات الهندسيّة. وكان أبو كامل قد كرّس لهذه التطبيقات مؤلفاً خاصّاً، تُستعملُ فيه الـمعادلات الجبريّة من الدرجة الثانية، لحلِّ مسائلَ مختلفةٍ تتعلّقُ بحساب عناصرِ مُخمّس ومُعشّر الأضلاع الـمنْتَظِمَيْن الـمحاطَيْن أو الـمحيطَيْن بدائرة. ونجدُ عند هذا الرياضيّ مثلاً مثيراً للاهتمام، حيث يُخْرَقُ مبدأُ التجانس الكلاسيكيّ، وحيث نرى بوضوحٍ أنّ الـمفاهيمَ الجبريّة مستمرةٌ بالتحرّر شيئاً فشيئاً من أصولها الهندسيّة، لتصِلَ إلى القمّةِ في ذلك عند الخيّام. ويتمحورُ الـمثلُ الـمذكورُ حولَ حساب ارتفاع مثلّثٍ متساوي الأضلاع، بحيث يكون مجموعُ مساحتِه مع ارتفاعِه مساوياً لعشرة. الـمعادلات من الدرجة الثالثة وما فوق يقول عمر الخيّام في رسالتِه في الجبر والـمقابلة: "إنّ أحدَ الـمعاني التعليميّة الـمُحتاج إليها في جُزءِ الحكمةِ الـمعروفِ بالرياضيّ هو صناعةُ الجبر والـمقابلة، الـموضوعةُ لاستخراج الـمجهولات العدديّةِ والـمساحيَّة، وإنّ فيها أصنافاً يُحتاجُ فيها إلى أصنافٍ من الـمقدّمات مُعتاصةً جداً، مُتعذِّرٌ حلُّها على اكثر الناظرين فيها. أمّا الـمتقدّمون فلم يصل إلينا منهم كلامٌ فيها، لَعَلَّهم لم يتفطنّوا لها بعدَ الطلب والنظر أو لم يَضْطَرَّ البحثُ إيّاهم إلى النظر فيها، أو لم يُنقل إلى لساننا كلامُهُم فيها. وأمّا الـمتأخرّون فقد عَنَّ للماهانيّ منهم تحليلُ الـمقدمِّةِ الّتي استعملها أرشميدسُ مسلّمةً في الشكل الرابع من الـمقالة الثانية من كتابه في الكرة والأسطوانةِ – بالجبر، فتأدّى إلى كِعابٍ وأموالٍ وأعدادٍ مُتَعَادلةٍ، فلم يتّفقْ له حلُّها بعدَ أن أفكر فيها مَليّا. فجزم القضاءَ بأنّه مُمتنعٌ، حتّى نَبَغَ أبو جعفر الخازن وحلّها بالقُطوع الـمخروطيّة، ثم افتقر بعده جماعةٌ من الـمهندسين إلى عِدّة أصنافٍ منها، فبعضهُم حلَّ البعضَ، وليس لواحدٍ منهم في تعديد أصنافها وتحصيل أنواع كلّ صنفٍ منها والبرهان عليه كلامٌ يُعتَدُّ به، إلا على صنفين سأذكرُهما. وإنّي، لم أزل، كنتُ شديدَ الحرص على تحقيق جميع أصنافها وتمييزِ الـممكن من الـممْتنع في أنواع كلّ صنفٍ ببراهينَ، لمعرفتي بأنّ الحاجة إليها في مشكلات الـمسائل ماسّةٌ جدّاً.." نرى من كلام الخيّام، أن دراسة الـماهانيّ (حوالى 880 م.) الجبريّة لمسألة أرشميدس حول قِسمةِ الكُرَة بواسطة مُسْتَوٍ إلى قسمَين مُتناسبَين بالحجوم بقدرٍ معلوم، قد شكّلت نقطةَ انطلاقٍ لدراسة الـمعادلات التكعيبيّة. ومن الـمعروف أنّ العلماء العرب لم يكونوا على اطّلاع على حلول هذه الـمسألة الّتي وردت عند أرشميدس ومن لحِقَه من علماء اليونان. لقد عبّر الـماهانيّ عن الـمسألة (بلغةٍ جديدة، هي لغة الجبر: الـمعادلات) بمعادلةٍ جبريّة. تمكّن لاحقاً عدّةُ رياضيّين من القرن العاشر، ومنهم الخازن (القرن العاشر) وابن الهيثم ( 965- 1039) من إعطاء تركيبٍ هندسيٍّ للمجهول عَبْرَ تمثيله (بلغة اليوم) كإحداثيّةٍ سينيّةٍ لنقطة التقاء قَطعَيْن مخروطيَّيْن مُنتقَيَيْن بشكلٍ ملائم. ومعروفٌ الآن، أنّ هذه الطريقة تعودُ إلى التقليد اليونانيّ (لقد استُعملت على وجه الـمثل من قِبل أدوكس في مسألة إضعاف الـمكعّب). وفي القرن العاشر، ووفق ما ورد عند الخيّام، قد جرى التعبيرُ بمعادلاتٍ من درجاتٍ مرتفعةٍ عن عددٍ من مسائل الهندسة، والفيزياء، وعلم الـمثلّثات. ومن هذه الـمسائل مثلا: ً(1) مسألة تركيب قِطعةٍ كُرويّةٍ بحيث يكون حجمُها أو مِساحتُها الكرويّةُ معلومين؛ (2) مسألة إثلاث الزاوية؛ (3) مسائل تركيب أضلاع مُخمّس ومُسبّع الأضلاع الـمنتظمَيْن… وتؤدّي كلُّ هذه الـمسائل، عند استعمالنا "لغةَ الخوارزميّ الجبريّة"، إلى ظهور معادلاتٍ من الدرجةِ الثالثة. وقد ظهرت معادلاتُ الدرجة الرابعة لأوّل مرةٍ في التاريخ في كتاب الـمناظر لابن الهيثم، فقد أدّت إلى ذلك محاولةُ ابنِ الهيثم تحديدَ مكانِ انعكاس نقطةٍ مضيئةٍ على مرآة أسطوانيّةِ الشكل، بحيث يكون موضِعا العينِ والنقطةِ الـمضيئةِ معلومَيْن. وقد حلّ ابنُ الهيثم هذه الـمعادلةَ بتقاطعِ قَطْعٍ زائدٍ ودائرة. لقد بلغت النجاحاتُ الـمحقّقةُ في مجال الـمعادلات التكعيبيّة حدّاً كبيراً. وقد فتحت هذه التراكماتُ من الـمعلوماتِ البابَ أمام إمكانيّة بناء نظريّةٍ مُعمِّمةٍ للنتائج الـملموسة. وهذا ما قام به بالفعل عمر الخيّام. وختاماً، يبقى أن نُشيرَ إلى أنّ ما ذكرناه عن نشوء وتطوّر البُنى النظريّة لعلم الجبر والمعادلات في التقليد العلميّ العربيّ، لا يمثّل أكثرَ من نقطةٍ ضئيلةٍ في بحرٍ من النتائج والاكتشافات العلميّة الـمُبهِرة التي يعود الفضل فيها إلى علماء الحقبة العربيّة. ولا زالت غالبيّة تلك الاكتشافات مغمورةً وغيرَ مدروسة تنتظر الباحثين ومؤرّخي العلوم في طيّات المخطوطات القديمة. وبُغيَة إقامة الدليل على صدق ما نقول، حسبنا أن نذكّر بوجود عشرات ألوف المخطوطات العربيّة العلميّة غير المحقّقة وغير المدروسة والـمُبعثرة في مكتبات دولٍ مُختلفة، وحسبنا في ذلك أيضاً أن نذكّر بعددٍ من النظريّات الرياضية كعلمي المثلّثات والبصريّات وببعض النتائج العلميّة التي نُسبت خطأً إلى علماء من القرون المتأخّرة وصولاً إلى القرن الثامن عشر، ليتبيّن لاحقاً أنّ اكتشاف تلك النتائج يعود بالأصل إلى علماء من التقليد العربي، ومثال ذلك: استعمالُ شرف الدين الطوسيّ في مَعْرِض حساباتِه الحدودَ القُصْوى عَدْمَ عباراتٍ جبريّةٍ مُعادِلَةٍ لعَدْمِ الـمُشتقِّ، وهي نتائجُ تُنسبُ إلى فيرما وديكارت! وكذلك الأمر في استخدام ابن عراقٍ الـمُثلّثَ القطبيَّ في مَعْرِضِ إقامته الدليل على مبرهنة الجيوب، حيث يُنْسبُ استخدامُ وإدخالُ الـمُثلّث المذكور إلى رياضيّي القرن السابع عشر، وكذلك الامر في تحديد ابن الهيثم الفضاءَ المتريَّ الذي يُنسبُ إلى فريشي.(بداية القرن العشرين!).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق