الجمعة، 24 يونيو 2016

الدكتور محمد الحجيري : تملك اللغة والمنطق

أهدي هذه المقالة إلى ذكرى أمي وأبي اللذين ربّياني صغيرا وعلّماني عشق الحرف والعدد والشكل الهندسيّ.
الجزء الثاني:
تملك اللغة والمنطق
تعتبر اللغة من أهم الأمور التي يتلقنها الإنسان في طفولته. إلا أن القدرة على التفكير المنطقيّ السليم لا تقلُّ أهميَّةً عن إلمام الإنسان باللُّغة والنطق. وتتكوَّن هذه القدرة لدى الإنسان بشكل سريع وغير ملحوظ. يستطيع الطفل أن يقول:”لديك طابة كبيرة ولكن عندي واحدة بيضاء” أو “أشتر لي طابة بحجم هذه ولكن أكبر منها”. إلا أنَّ تفكيره يصبح تدريجياً أكثر انتظاما وترابطاً. تتجمَّع الكلمات في جملٍ وتصبح الجمل مترابطة. تنتهي مرحلة النُطق الطفولي، ويبدأ الطفل بالتفكير والاستدلال كالراشد.تتمُّ عمليّة الإلمام باللّغة بشكلٍ متزامن مع الإلمام بالمنطق العام، المستقلِّ عن اللُّغة. غير أن المنطق كقواعد اللُّغة، فلا يتمُّ تملُّكها بدونهما. تتطوَّر وتنتظم قواعد اللُّغة عند الأطفال خلال الدراسة والممارسة اليوميَّة، في حين، لا يلقى تطوُّر المنطق عند الأطفال، الاهتمام اللاَّزم. فتبقى عمليّة تشكُّله عفويّة. لا غرابة إذاً، أن يجد الإنسان صعوبةً في تحديد المبادئ العامَّة التي تحكم تفكيره واستدلالاته، لا سيَّما وأنَّه اكتسب هذه المبادئ نتيجة الممارسة الحياتيّة أي التجارب الذاتيَّة التي تختلف من شخص إلى آخر، لذلك غالبا ما نجد أنفسنا عاجزين عن كشف الغلط المنطقيّ المرتكَب استنادا إلى منطقنا الحدسي!.
1 – ماهيّة علم المنطق .
تُستعمل كلمة منطق بكثافة وفي مجالاتٍ ومعانٍ مختلفة. كثيراً ما نستعمل تعبير، منطق الأحداث، بغية الدلالة على توالي الأحداث وترابطها بشكل محدَّد ودقيق. نستعمل أيضاً التعبيرين التاليين: تفكيرٌ منطقي، وتفكيرٌ غير منطقي، وذلك بغية الإشارة إلى وجود أو انعدام الترابطيّة، التسلسليّة في عمليات الاستدلال الفكري.
المنطق علم يتناول حركة وصفات التفكير، أساليبه ونماذجه المجرَّدة، قواعده الهيكليّة. لقد ظهر علم المنطق، كما يفترض مؤرِّخو العلوم، في القرن الرابع قبل الميلاد وقد سُمِّي لاحقاً المنطق الصوري، ويُعتبر الفيلسوف الإغريقي أرسطو مؤسِّس هذا العلم. يُقسم تاريخ المنطق إلى مرحلتين أساسيتين من الزمن. تمتد الأولى أكثر من الفي سنة. وقد تطوَّر المنطق خلالها ببطء شديد. تبدأ المرحلة الثانية من النصف الثاني للقرن التاسع عشر حيث تعرَّض هذا العلم لتغيرات جذريَّة، ناشئة أساساً، عن إدخال الطرق الرياضيَّة والرمزيَّة لحلِّ مسائله، فعادت الحياة إلى منطق أرسطو التقليدي إثر ولادة المنطق الحديث الذي يسمى المنطق الرياضي أو الرمزي
يحسب البعض أن هذا المنطق الجديد مقتصر على مجموعة من الدراسات، تتناول البنى المنطقيّة في البراهين الرياضيّة. إلا أن الأمر أبعد من ذلك، إذ إنَّ هذا المنطق يمثِّل مجموعةً من النماذج لكلِّ ما يدور في فلك “التفكير الصحيح” وبمستويات مختلفة تفرضها الحاجة من جهة وتطوُّر الفكر الإنساني ومعارفه من جهة ثانية. تغيَّرت عبر التاريخ المجالات الملموسة لاهتمام علم المنطق، بيد أنَّ هدفه الرئيسي بقي إلى حدٍّ ما ثابتاً وهو البحث عن كيفيّة وإمكانيّة استنتاج أحكامٍ صادقة جديدة من أحكامٍ صادقة محددة. إنَّ المنطق بدراسته لمسألة ”ماذا ينتج عن ماذا؟” يكشف الشروط المنطقيَّة الأكثر شموليَّة وتسمى هذه الشروط : “الشروط الشكليَّة للتفكير السليم”. لنستعرض بعض الأمثلة على المتطلبات المنطقيَّة أو الشكليَّة للتفكير:
- بغض النظر عن مضمون الحديث، لا يجوز تأكيد ونفي شيء ما في نفس الوقت
- - لا يجوز أن نقبل أحكاماً ما ونرفض ما ينتج عنها.
- - اللا ممكن،لا يجوز أن يكون ممكناً.والمثبت أن يكون مشكوكاً فيه والمسموح ممنوعاً.
وما إلى ذلك. هذه المتطلبات المنطقيَّة وما شابهها مستقلة تمامًا عن المضمون الملموس لأفكارنا، عمَّا نؤكده أو ننفيه وعما يعتبر ممكناً أو مستحيلاً. تُختصر مسالة البحث المنطقي بما يلي: اكتشاف وتنظيم صِيغ محددَّة للاستدلال الصحيح ودراسة هذه الصِيغ التي تعبرِّ في واقع الأمر عن قوانين منطقيَّة كامنة في أساس التفكير المنطقي السليم. أن نفكَّر منطقيّاً، يعني أن نفكِّر وفقاً لقوانين المنطق وصيغة. تجدر الإشارة إلى تضارب الآراء فيما يخصُّ طبيعة واصل وضرورة قوانين المنطق وصيغه. إن قوانين المنطق مستقلَّة عن إرادة الإنسان وإدراكه. وسلطتها التي تحكم حركة الفكر الإنساني، هي انعكاس لأكثر العلاقات شموليةً في العالم الموضوعي المحسوس. يتم هذا الانعكاس عبر الممارسة المعرفيّة الهادفة والفاعلة عند الناس. فقوانين المنطق، بمضمونها، صورةٌ في الوعي الذاتي للموضوعي المستقل عن الوعي.

هناك تعليق واحد:

  1. هذا مقطع من مقالة طويلة، لكي نحافظ على وحدة النص البنيوية من الضروري أضافة الجزئين الأخيرين، وهما موجودان على صفحتي.
    د. محمد يوسف الحجيري

    ردحذف