المحامي عبد الحميد الاحدب : المأزق الذي صار في نظرة المسلم إلى نفسه
الرئيسية
المحامي عبد الحميد الاحدب : المأزق الذي صار في نظرة المسلم إلى نفسه
بعد مجزرة "نيس"
في جنوب فرنسا، ظهر على شاشة التلفزيون رجلان مسلمان يتحادثان في سوبرماركت، فيقول
الأول للثاني: "صرت أخجل وأخاف من نظرات الناس! أرى في نظراتهم قسوة ورغبة في
الإنتقام، وأرى احتقاراً لي وكأنني أنا من ارتكب المجزرة، وأرى في عيون الناس حولي
نظرة تضعني أدنى من مستوى البشر، لم أعد أستطيع ان أواجه نظرات الناس، تعال نذهب
الى مكان ليس فيه من ينظر الينا هذه النظرات".
فالتفت اليه الثاني ليقول
له: "أنا اسير معك ولا أرى حولنا ناساً ولا نظرات! فمن أين تأتي بهذه النظرات
والإدانات؟"
فقال الأول: "صحيح ليس
هناك ناس حولنا، وليست هناك نظرات، ولكن هذا ما أشعر به في أعماق قلبي وضميري ولا
أستطيع أن اتخلص منه!".
فوعي المسلمين المتنورين
للحالة التي أوصلهم إليها إسلام الجهاديين نادر، وهو لو انتشر لأنقذ المسلمين في
بلاد الإسلام وفي أوروبا وأميركا من أخطار تحدق بهم.
فبعد مجزرة "نيس"
هناك خبر اخفته السلطات الفرنسية، وهو محاولة بعض الفرنسيين المتطرفين الناقمين
الذين حاولوا التعدي على الأحياء الإسلامية في جنوب فرنسا والإنتقام من المسلمين
بمجزرة كتلك التي ارتكبها سائق الشاحنة الذي دهس الأطفال والنساء والأبرياء الذين
كانوا يتفرجون على الألعاب النارية لمناسبة العيد الوطني الفرنسي في مدينة
"نيس"، ولكن السلطات الفرنسية عتّمت على الخبر وقمعت المحاولة بيد من
حديد.
فإلى أين؟ وما سبب انتشار
الروح المتوحشة باسم الدين بين المسلمين؟ دُهِس 84 طفلاً وامرأة وبريءباسم الدين؟
كيف وصلنا الى هذا الإنحدار حتى صار هنالك ألوف يبحثون عن الخروج من جحيم الواقع
الإسلامي الذي يعيشون فيه بتفجير أنفسهم للصعود الى الحوريات والأنهار والخمر
والنعيم!
فلا خير أن تكون مسلماً هذه
الأيام! فاعتلال النفس من الشعور بالإضطهاد الى كره الذات آفة تفتك بالكثيرين!
فالمشهد يبدو مظلماً، لأنّ
العالم الإسلامي هو في منطقة من الكرة الأرضية تتضاءل فيها اليوم أمام المرء،
ولاسيما أمام المرأة، ظروف النمو والتقدم الحضاري وظروف الخروج من الظلم والظلام!
إنّ الشقاء الإسلامي يعيش
من خلال شعور الخزي والعار، إذ مرّ زمان غير بعيد نسي المسلمون فيه التطلع الى
المستقبل بشيء من التفاؤل، فقد دخلت دول إسلامية في القرن التاسع عشر عصر النهضة
والحداثة، ولكنها توقفت، ثم أخذت بالتراجع.
"كان يا ما كان!"
فالمجتمع المصري تمكّن في
الماضي من أن يحتل المرتبة الثالثة عالمياً في الإنتاج السينمائي، فيما كان
الرسّامون والشعراء والأدباء والمفكرون والموسيقيون والكُتّاب المسرحيون
والروائيون في بيروت والقاهرة وبغداد والدار البيضاء يساهمون في صوغ ثقافة عربية
حيّة متجددة، هذا المجتمع خاض ثورة نزع الحجاب إلى أن كان الإنحدار الراهن الذي
نراه اليوم، والذي هو حالة فكرية وايديولوجية أكثر منها مادية، وهذا ما أدّى الى اعتقاد
المسلمين أن لا مستقبل أمامهم، ليجري إسقاط حضارة حية من أجل الإستسلام لعقيدة
الشقاء والموت.
دلالات الشقاء الإسلامي في
نسبة الأمية والهوة المخيفة بين الغنى والفقر، الغنى الفاحش والفقر المدقع، ممّا
ولّد الشعور المتجذر والشائع بأن المستقبل مسدود. وصارت المعضلة في نظرة المسلم
إلى الآخر ونظرة الآخر إلى المسلم، ولكن المشكلة الكبرى كانت في نظرة المسلم إلى
نفسه، وهنا لبّ المشكلة!!
فالإحساس الهائل بالعجز
الذي يتولد عنه الشقاء يتغذى من البكاء على الأطلال، وصار العجز رمزاً للشقاء،
العجز من شعور المسلمين (معظمهم) بأنهم لم يعودوا سوى كمية مُهمَلَة على رقعة
الشطرنج الكونية.
ودعمت هذا الشعور خسارة حرب
فلسطين التي كان فيها عدد"الهاغاناه" اليهودية متفوقة عددياً على عدد كل
الجيوش العربية مجتمعة، وكانت المأساة الكبرى في هزيمة 1967، وجاءت وكأنها تدين
عجز المسلمين باعتباره عجزاً وراثياً أو حضارياً. ثم كان نصف انتصار ونصف هزيمة
1973 لتصبح إسرائيل بعدها تصول وتجول وحدها في الشرق، حتى وصل الأمر الى حصار
عاصمة عربية هي بيروت سنة 1982. والعرب والمسلمون أعجز من ان يفعلوا شيئاً!
هذا العجز هو الذي فتح
جحيماً مبرراً لتحليل تشريع عنف دموي شامل شمولي، ليجرّب أن يحوّل الضحية دينياً
الى كسبٍ للجنة، وهذا المنحى الديني هو في حد ذاته من علامات الشقاء الإسلامي، بل
هو الشقاء بحد ذاته!
وواكب هذا الإنجراف أو
سبّبه الأنظمة السياسية الدكتاتورية التي استقرت في العالم الإسلامي بعد خروج
الغرب منه، حيث أصبح الحكام الاستقلاليون، تحت شعار التحرير، يرتعون على كرسي
السلطة عشرات السنين حاكمين بأمرهم، وصاروا عقبة امام التحديث والإصلاحات بعد
إلغاء الحرية. وصارت الأنظمة السياسية مُشَخْصَنة، تتغذى من انتعاش النزعة الدينية
الشعبية وتواطؤ السلطة معها، ما أدى الى انتشار الحجاب على رؤوس النساء وتقييد
حرية الفكر.
صارت القارة الإسلامية هي
الوحيدة التي يعمها العجز الديموقراطي والبقعة التي يهيمن فيها على العقول اللاوعي
الإسلامي المقترن بالحنين الى المجد الغابر والشقاء الحاضر، وصار العجز
الديموقراطي يتضاعف من خلال عجز في المواطنة، فالسلطة "الوطنية" ليست
فقط عاجزة عن حماية دولها ومواطنيها من أي خطر خارجي، بل هي أيضاً، وفي حد ذاتها،
تشكّل الخطر على حياة مواطنيها وكرامتهم وشرفهم بالإستبداد الذي تمارسه. ولئن كان
صعود الاسلام الجهادي نتيجة الافلاس وغياب الحرية والتنمية وشعور العجز والشقاء في
اللاوعي، إلاّ أنّه لا يمكن اعتباره حلاً لمأزق الذل في المجتمعات الاسلامية، صار
مشكلة، بل معضلة خطيرة على الاسلام ذاته! لأنه يشبه نهضة الفاشية في اوروبا.
وينمّ عن الكثير من الشبه
مع الديكتاتوريات الفاشية.
فالخطأ الكبير كان في
الاعتقاد أنّ في إمكان الاسلام السياسي الجهادي أن يوفّر فرصة للخروج من الشقاء
الاسلامي، ولكنه يتبيّن كل يوم أنه هو.. هو بالذات سبب الشقاء الإسلامي. فالإسلام
ليس إلاّ في السنوات الأربعين الأولى من حكم الرسول وخلفائه الراشدين. بعد ذلك كل
شيء تقهقر، وصار معاوية في قصة البَيْعة يقول: هذا. ويشير إلى يزيد، فمن أبى فهذا،
ويشير إلى سيفه!
وتحول الإسلام يومها من
رسالة إلى سلطة وملك، ولم يكن الإسلام سلطاناً وملكاً، بل كان رسالة. كان دعوة إلى
رسالة دينية خالصة لا تشوبها نزعة ملك: "وما أرسلناك عليهم وكيلاً".
"أرسلنا عليك الكتاب
للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها".
"فذكّر إنما أنت مذكّر
لست عليهم بمصيطر إلاّ من تولى وكفر فيعاقبه الله العذاب الاكبر".
مشكلة الإسلام أنّ السلاطين
خطفوه وجعلوه ملكاً، وضاع الدين وضاعت الرسالة... بعد أربعين عاماً من الرسالة.
خطف السلاطين الدين، وجرت
محاولات كثيرة للنهضة وللحرية للعودة بالإسلام إلى رسالته الدينية والأخلاقية،
وكلها فشلت وتراجعت، ثم سقطت اليوم سقوطاً مبيناً. وكانت النتيجة هذا الذي رأيناه
وما نراه، مما يعتبره الدين كفراً وضلالاً.
المحامي عبد الحميد
الأحدب/النهار
هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة، لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى، حيث يمكنك أن تولد مثل هذا النص أو العديد من النصوص الأخرى إضافة إلى زيادة عدد الحروف التى يولدها التطبيق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق